الاثنين، 12 أكتوبر 2026

فكرة ..مؤجلة ....بقلم الكاتب ماهر اللطيف


 فكرة... مؤجلة


بقلم :ماهر اللطيف /تونس


جلست في مكتبي أخيرًا، بعد عناء يوم كامل من العمل. هيأت نفسي، وأحضرت أوراقي ولوازمي، وتفقدت أقلامي، ثم شرعت أدون رؤوس أقلام بعد أن تخمرت فكرة في ذهني.


ابتسمت وقلت: «نعم، هي كذلك... الآن أصبح كل شيء جاهزًا، ولم يبقَ غير التحرير والتدقيق وحفظ النسخة النهائية فيما بعد.»


كانت ورقتي حبلى بالتخطيط: الزمان، والمكان، والشخصيات، والعقدة، والحل، وأهم الأحداث... وكان هيكل المكتوب مرسومًا في ذهني بدقة ووضوح.


هممت بمباشرة الكتابة. توكلت على الله وبسملت، سويت الأوراق أمامي، وشحنت أقلامي بدموعي ودمي، وجلست على قلبي حتى لا يعيقني ويرجعني إلى الوراء.


لكن صوتًا داخليًا باغتني، وهو يجمد فكري ويثقل يمناي: «اطلع على تعليقات منشورك السابق، عساك تجد ما يفيدك، ويوجهك أكثر نحو التميز والتفرد في مكتوبك الجديد.»


استجبت له.


وكان الأمر كذلك... وليته لم يكن.


كانت معظم التعليقات إيجابية ومحفزة، كعادتها؛ تشجعني على المضي قدمًا، وتنويع مواضيعي وأجناسي الأدبية وغيرها. لكن قلة قليلة ارتأت أن تستفزني، وتقلقني، وتحبط عزيمتي، وتسفّه ما أقوم به.


كتب أحدهم:

ثُبْ إلى رشدك، وارجع إلى ربك؛ فما تقوم به ملهاة عن ذكر الله.


وقال آخر:

هل تعتقد نفسك عباس محمود العقاد أم نجيب محفوظ؟ أنت لم ترتقِ حتى إلى هاوٍ مبتدئ.


وثالث:

لا أظنك تفكر من مخك... انتبه، هناك من عبث بإعدادات جسدك!


قرأت التعليقات مرة، ثم أعدت قراءتها.


لم يؤلمني نقدهم؛ فالنقد مطلوب، وبه نرتقي ونحسن من أنفسنا وقدراتنا. الذي استفزني وأوجعني هو السخرية، والاعتداء على شخصي، وتحويل الاختلاف في الرأي إلى محاولة للنيل مني.


ناديت زوجتي وأطلعتها على كل شيء.


ابتسمت وقالت:

- نفس التعليقات والأشخاص... ألم يملّوا ويرتدعوا؟!


قلت:

- فعلًا. ورغم تغير الأجناس الأدبية، فقد حافظوا على نفس التعابير.


قالت:

- قم بحظرهم وتجنبهم.


قاطعتها:

- لا يا حبيبتي. إرضاء الناس غاية لا تُدرك. لست ضد النقد، لكنني ضد الانتقاد والاعتداء على شخصي.


بقينا نتجاذب أطراف الحديث، نستحضر بعض كتاباتي القديمة منذ عقود، وما حملته من تعليقات مماثلة، حتى قلت لها:


- لذلك قلت لك إنني لن أطبع حرفًا ورقيًا يومًا ما.


نظرت إليّ طويلًا ثم قالت:

- ستحرم الناس من هذا الإرث الكبير، وقد تُسأل عنه غدًا...


صمتُّ.


عدت ببصري إلى مكتبي.


كانت الأوراق ما تزال أمامي، والخطة مكتملة، والشخصيات تنتظر أدوارها، والأحداث جاهزة... والقلم بين أصابعي.


لكنني لم أكتب.


تنحيت عن المكتب واتجهت نحو بيت الجلوس. تمددت على الأريكة، وشاهدت مسرحية هزلية حتى غلبني النعاس.


وبقيت الفكرة معلقة...

إلى أن يحل أجلها، إن حلّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فكرة ..مؤجلة ....بقلم الكاتب ماهر اللطيف

 فكرة... مؤجلة بقلم :ماهر اللطيف /تونس جلست في مكتبي أخيرًا، بعد عناء يوم كامل من العمل. هيأت نفسي، وأحضرت أوراقي ولوازمي، وتفقدت أقلامي، ثم...