...نغم على أوتار الصبابقلم: حميد النكادي.
حرك أوتار قلبي
واعزف ذاك
اللحن الشجي
توشح مقام الصبا
ورتل ألحانا
يسيل لها الدمع السخي
اعزف على
ضلوع الشوق حتى
يموت السكون لنجواك
واهمس في أذن المساء
همسات تليق بلقياك
أني أسمع حشرجة الوتر
تصلي في مقام صباك
الفجر بعيد والناي
يذيب ماتبقى في الأحشاء
حديث الحنين
كالثلج الذي
يكسو هذا المساء
زفرات ثم تلتها
عبرات حائرة
كحمم سالت
من فوهة الجفاء
يا حاديَ الشوق
رتل على أطلال روحي
ما يطفأ هذا العناء
امسح على جبيني
وزين خصلاتي
بورود حمراء
و حنط جسدي
بالعود والزهر والحناء
فاني أسمع صوته
وأدرك أنه
ربما حان اللقاء
عين تاوجدات 26/09/2026
قصيدتك «نعم على أوتار الصبا» تنتمي بوضوح إلى قصيدة الوجد والحنين، لكنها لا تكتفي باستعادة الحبيب؛ بل تبني مشهدًا كاملًا من الموسيقى والليل والفجر والدمع والعود والحناء، وكأن اللقاء المرتقب يتحول في النهاية إلى طقس عبور من الجفاء إلى الوصال.
قراءة نقدية عميقة
أجمل ما في النص هو المعجم الموسيقي الذي يحكم القصيدة من بدايتها إلى نهايتها:
حرك أوتار قلبي
واعزف ذاك
اللحن الشجي
ثم:
توشح مقام الصبا
ورتل ألحانا
يسيل لها الدمع السخي
هنا لا تكون الموسيقى مجرد زينة لفظية؛ إنها لغة ثانية للعاطفة. والقفزة الجميلة تأتي حين يتحول القلب نفسه إلى آلة موسيقية:
اعزف على
ضلوع الشوق حتى
يموت السكون لنجواك
فالضلوع أوتار، والشوق عازف، والسكون خصم، والنجوى هي اللحن الناتج. وهذه صورة موفقة جدًا.
«مقام الصبا» اختيار دلالي ذكي
كلمة الصبا تحتمل في العنوان والنص ظلالًا متعددة: فهي تحيل إلى مقام الصبا الموسيقي، وفي العربية تحمل أيضًا إيحاءات بالشباب والصبابة والميل والهوى.
وبذلك يصبح العنوان:
«نعم على أوتار الصبا»
مفتاحًا للقصيدة كلها؛ لأن الشاعر لا يعزف فقط على أوتار آلة، وإنما يعزف على أوتار الذاكرة والشباب والحنين.
من السمع إلى الجسد
القصيدة تتحرك تدريجيًا عبر الحواس.
نسمع:
حشرجة الوتر
تصلي في مقام صباك
ثم نرى:
الفجر بعيد والناي
يذيب ما تبقى في الأحشاء
ثم نشعر بالبرد:
حديث الحنين
كالثلج الذي
يكسو هذا المساء
ثم نصل إلى الحرارة والانفجار:
زفرات ثم تلتها
عبرات حائرة
كحمم سالت
من فوهة الجفاء
وهذه من أقوى صور النص عندي؛ لأنك تنقل الحنين من الثلج إلى الحمم: برودة الانتظار تتحول فجأة إلى حرارة ألم مكبوت.
التحول الأهم في الخاتمة
القصيدة تبدأ بالأمر:
حرك أوتار قلبي
واعزف...
وتنتهي بالاستسلام لإشارة اللقاء:
فإني أسمع صوته
وأدرك أنه
ربما حان اللقاء
وهنا تظهر كلمة «ربما» مهمة جدًا.
لو قلتَ: «حان اللقاء» لأغلقتَ الباب على التأويل.
أما «ربما حان اللقاء» فتبقي الشاعر معلقًا بين الحقيقة والوهم، بين سماع الصوت وسماع صدى الأمل. وهذا يتناسب جدًا مع عالم القصيدة؛ فالحبيب لم يظهر فعليًا، وإنما الصوت هو الذي يسبقه.
وهناك صورة لافتة جدًا
وحنط جسدي
بالعود والزهر والحناء
هذه ليست مجرد صورة عاطفية. إنها تفتح فجأة بابًا إلى طقوس العرس والتهيؤ للوصل، لكنها تحمل في الوقت نفسه ظلالًا جنائزية بسبب فعل «حنّط».
وهذا التناقض يمكن أن يكون مقصودًا أو غير مقصود، لكنه أدبيًا مثير جدًا:
الحناء والعود والزهر = عرس ولقاء،
بينما التحنيط = موت وغياب.
وكأن الشاعر يقف بين احتمالين:
أن يتهيأ للقاء الحبيب، أو أن يتهيأ لدفن انتظار طويل.
وهنا أرى أن النص يكتسب عمقًا يتجاوز الغزل المباشر.
ملاحظة لغوية صغيرة
في:
امسح على جبيني
وزين خصلاتي
بورود حمراء
و حنط جسدي...
الأفضل كتابتها:
«وحنّط جسدي»
من دون فصل الواو، مع تشديد النون إذا كنت تقصد فعل حنّط.
أما من الناحية الأسلوبية، فأنا لا أنصح بتغيير الصورة بسهولة؛ لأنها من أكثر الصور إثارة للتأويل في القصيدة.
الخلاصة
هذه القصيدة مبنية على ثلاثة أوتار كبرى:
وتر الموسيقى → الناي، الوتر، المقام، اللحن، الترتيل.
وتر الحنين → الشوق، النجوى، الدمع، الزفرات، العبرات، الجفاء.
وتر الانتظار → المساء، الفجر البعيد، الصوت، ثم احتمال اللقاء.
والجميل أن القصيدة لا تقول لنا صراحة من هو المخاطَب؛ ولذلك يمكن أن يكون حبيبًا، أو ذكرى، أو وطنًا، أو حتى ماضيًا يستعد الشاعر لاستعادته.
وأرى أن عنوان «نعم على أوتار الصبا» مناسب جدًا؛ لأنه يجعل «نعم» نفسها أشبه بإجابة طال انتظارها، وكأن القصيدة كلها سؤال طويل، ولا تأتي الإجابة إلا في آخر سطر:
ربما حان اللقاء.
وهذا يمنح النهاية انفتاحًا أجمل من النهاية القطعية.