ثيابي ملطخة بالوحل
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
---------
سأغيّرُ ثيابَ قصيدتي...
وثيابي.
سأخلعُ عن حروفي
أناقةَ الكذب،
سأرتدي ثوبًا
ملطّخًا بالوحل حتى رقبتي،
وأمضي...
فهذا الثوبُ
ليس عارًا كما تظنّون،
إنّه من أفخرِ ثيابي،
وآخرُ ما تبقّى
من شرفِ الحقيقة.
أرتديه حين أذهب إلى مكتبي،
حين أرسمُ شخوصَ مسرحيّتي،
وأكتبُ نصّي،
وأطلُّ عليكم عبرَ التلفاز،
أحدّثكم عن نشاطي،
عن وليدي الذي يكبرُ بين أضلعي،
ارتديتُه اليوم
لأزور أعزَّ أصدقائي...
أربعون عامًا
كان يرسمُ البسمةَ على الشفاه،
بأسلوبٍ قلَّ نظيرُه،
ويزرعُ الفرحَ في قلوبٍ
لم تكن تعرفُ
أنّ صانعَ أفراحها
كان يُخبّئُ أحزانَه
خلفَ الستار.
أربعون عامًا
والتصفيقُ يعرفُ طريقَه إليه،
والأضواءُ تحفظُ ملامحَه،
والجمهورُ يردّدُ اسمَه،
والفنُّ يتّسعُ لصوتِه
ثمّ جاء الوباء...
لم تعدْ قدماه تحملانِه،
ولم تعدِ البسمةُ
تعرفُ طريقَها إلى وجهه.
حلّت الدموعُ
مكانَ الضحكات،
وصارَ الذي أضحكَ الناسَ طويلًا
يحتاجُ إلى مَن يُبكي لأجله،
أو إلى مَن يجلسُ بقربه
دون أن يقولَ شيئًا.
كان يتذكّرُ الجمهور،
أصدقاءَ الفنّ وعشّاقَه،
أولئك الذين اقتسموا معه
سنواتِ العمر،
كان ينتظر...
ولم يأتِ أحد.
عذرًا، يا سادتي...
لم ألطّخْ ثيابي بالوحل
من أجلِ رفيقِ العمر فحسب،
بل لطّختُ بها
ما تبقّى من كبريائي،
وما علقَ بروحي
من أوهامِ الصداقة
.لقد سرحتُ بعيدًا
حين فكّرتُ في نهايته،
ورأيتُ الفنَّ كلَّه
واقفًا عند سريرِ رجلٍ مريض،
يبحثُ في وجوهِ أحبّتِه
عن وجهٍ واحد
لم تأخذْه الأضواءُ بعيدًا.
عذرًا...
قد تبتعدون عنّي،
خشيةَ أن تتّسخَ ثيابُكم،
أو أن تتسرّبَ إليكم
رائحةُ الوحل.
أخشى أن يأتيَ يومٌ
تحتاجون فيه إلى يدٍ،
فلا تجدونَ سوى الصمت،
أنشدُ قصيدتي الآن
بصوتِ رجلٍ
كان ينازعُ الموت،
ثمّ سقطَ
في منتصفِ الطريق،
شارِدًا...
كأنّما كان يبحثُ عن معنى
لهذا العالم
الذي يُكرمُ الفنّانَ واقفًا،
وينساهُ حين يعجزُ عن الوقوف.
خرجتُ من عنده
بعد معاناة...
لم أخرجْ وحدي،
خرجتْ معي شهودُ الوجع:
خطواتي المرتبكة،
صمتي الثقيل،
والوحلُ الذي التصقَ بثيابي
كأنّه يرفضُ أن يتركني
أعودُ إلى حياةٍ
تتظاهرُ بأنّ شيئًا لم يحدث.
كانت دموعي تجري
دون إرادتي،
لا لأنّ صديقي مريضٌ فحسب،
بل لأنّني رأيتُ
كيف يُتركُ الإنسانُ
حين يصبحُ احتياجُه أكبرَ
من قدرته على العطاء.
رأيتُ الذي نذرَ نفسَه للفنّ،
وأحبّه حدَّ الاحتراق،
وأعطاه من عمره
ما لا تستردُّه الأعمار،
يرقدُ عاجزًا،
لا يملكُ من المال
ما يفتحُ له بابَ العلاج.
وأيُّ فنٍّ هذا
الذي نرفعُ أسماءَ أصحابه
فوق المنصّات،
ثمّ نتركُ أجسادَهم
تسقطُ في صمتِ الغرف؟
لا تسألوني: مَن هو؟
اسألوا نقاباتِ الفنّ،
واسألوا دفاترَ العضويّة،
واسألوا القاعاتِ
التي امتلأتْ يومًا بالتصفيق،
والوجوهَ التي ازدحمتْ
حول موائدِ الاحتفال.
اسألوا الذين يعرفون
كم من فنّانٍ
يُشيّعُه النسيانُ
قبل أن يشيّعَه الموت.
العددُ...
ليس قابلًا للعدّ.
أمّا أنا...
فلن أخلعَ ثيابي.
سأتركُ الوحلَ عليها
شاهدًا لا يغفر،
ووسامًا لا يُشترى،
وحين يسألني أحدٌ:
لماذا ترتدي هذا الثوبَ الملطّخ؟
سأقول:
لأنّني زرتُ صديقًا
كان يستحقُّ أن يأتيَه الجميع،
فلم يأتِ أحد.
ولأنّ الوحلَ الذي على ثيابي
أطهرُ من صمتِ الذين خذلوه،
ولأنّ دمعةً صادقةً
على وجهِ صديقٍ موجوع
أشرفُ من ألفِ تصفيقةٍ
تُمنَحُ للفنّان
حين يكونُ قادرًا
على الوقوف.
سأحتفظُ بثيابي...
فقد يغسلُ الماءُ الوحلَ عنها،
لكنّه لن يغسلَ
عارَ الغياب.
عبدالصاحب الأميري
العراق


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق