صوروني
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
---------
صَوِّروني
صَوِّروني...
لكن أبعِدوا آلاتِ التصوير عن وجهي.
فثمّةَ دموعٌ
لا تحبُّ الكاميرات،
وثمّةَ وجعٌ
حين يُصوَّر
يفقدُ شيئًا من قداسته.
دعوني أبكي...
أليس من حقِّ الإنسان
حين يرى إنسانًا آخر
تحت سياطِ الذلِّ والألم
أن يبكي؟
أليس من حقِّ القلب
أن يتمرّد
حين يرى الجوعَ
يمشي على قدمين،
والخوفَ
ينام في عيون الأطفال؟
أنا امرأةٌ في الثانية والستين.
امرأةٌ عبرتْ عمرًا طويلًا
دون أن تعرفَ
أن للدمعةِ ذاكرة.
لم أبكِ
إلا مرةً واحدة
منذ كنتُ طفلة.
كنتُ في السابعة...
سرقوا لعبتي،
فبكيتُ.
كنتُ أظنُّ يومها
أن أكبرَ مصائبِ العالم
أن تفقدَ طفلةٌ لعبتها.
لم أكن أعرف
أن هناك أطفالًا
سيكبرون دون ألعاب،
دون بيوت،
دون آباء،
دون أن يعرفوا
كيف يكون الصباح
حين لا يأتي الموتُ قبله.
واليوم...
ها أنا أبكي.
لكنني لا أبكي على لعبة.
أبكي على إنسانٍ
صار جسدُه
أصغر من أن يحتملَ
كل هذا الموت.
أبكي على طفلٍ
كان ينبغي أن يحملَ طائرةً ورقية،
فحملَ بدلًا منها
اسمَ أبيه
بين قوائم الغائبين.
أبكي على أمٍّ
لم تعد تعرف
أيُّ ركامٍ تخبئ تحته أبناءها،
وأيُّ ركامٍ
تدفن تحته قلبها.
غزة...
ماذا فعلتِ بي؟
كنتُ أظنُّ أنني أعرف العالم.
فجئتِ أنتِ
ومزّقتِ الستارة
التي كانت بين عيني
وبين الحقيقة.
أيقظتِني من سباتي.
لم تكوني مدينةً بعيدة
على خريطة.
كنتِ مرآة.
وما أقسى المرايا
حين لا تعكس وجوهنا...
بل تعكس ما فعلناه
وما سمحنا له أن يحدث
وما مررنا بجانبه
دون أن نسأل:
أين الإنسان؟
غزةُ لم تغيّرني وحدي...
غزةُ كشفتنا.
كشفتْ كم مرةً
نظرنا إلى الألم
ثم أغمضنا أعيننا
كي نستطيعَ متابعة يومنا.
كشفتْ كيف يمكن للإنسان
أن يتعوّدَ على المأساة
حتى يصبحَ الموتُ رقمًا،
والطفلُ صورةً،
والبيتُ خبرًا،
والجنازةُ شريطًا عاجلًا
ثم...
نعودُ إلى حياتنا.
كأن الحياةَ لا تعني الجميع.
كنتُ أرى طريقًا
قالوا لنا إنه الطريق.
ثم اكتشفتُ
أن بعضَ الطرق
تُرسمُ قبل أن نولد،
وبعضَ الحقائق
تُلقَّن لنا
حتى نظنَّ أنها أفكارنا.
لكن غزة...
وضعتْ يدها على عيني
وقالت:
انظري.
فأبصرتُ.
رأيتُ الجوع
حين يصبحُ سلاحًا.
رأيتُ العطش
حين يتحولُ إلى سؤالٍ يومي.
رأيتُ الدواء
وهو يغيب
عن يدِ من يحتاجه.
رأيتُ الحليب
يصير أمنيةً
في فم طفل.
رأيتُ المشافي
تبحث عن الحياة
بين الركام.
ورأيتُ من يداوي الجرحى
يصبحُ جريحًا.
رأيتُ البيوت
وهي تتحولُ إلى غبار.
ورأيتُ الغبار
يحمل أسماءَ أصحاب البيوت.
عندها فهمت:
ليست الكارثة
أن يموت الإنسان فقط.
الكارثة الأكبر
أن يموتَ الإنسان فينا
ونحن ما زلنا أحياء.
صَوِّروني...
أنا امرأةٌ فرنسية.
لا أملكُ بندقية،
ولا أملكُ سلطةً
على هذا العالم.
أملكُ فقط
هذا الصوت
وهذه الدموع
وهذا الضمير
الذي لم يعد يقبلُ النوم.
صَوِّروني...
ليس لأنني بطلة.
أنا لستُ بطلة.
أنا شاهدة.
والشاهد
لا يملك رفاهيةَ النسيان.
صَوِّروا امرأةً
اكتشفت بعد اثنتين وستين سنة
أن الحياد أمام الألم
قد يتحولُ إلى سؤالٍ أخلاقي
يطاردُ صاحبه.
صَوِّروا دموعي...
لكن لا تجعلوها مشهدًا.
اجعلوها شهادة.
لا تقولوا:
امرأةٌ بكت.
قولوا:
امرأةٌ رأت
فلم تستطع أن تصمت.
وأنا...
أطلبُ الصفح.
أطلبُ الصفح من فلسطين.
من غزة.
من كل طفلٍ
كان ينبغي أن تكونَ يده
في يد أمه
لا تحت الركام.
أطلب الصفح
عن السنوات التي لم أرَ فيها
ما أراه الآن.
عن الأسئلة التي لم أسألها.
عن الصمت الذي حسبناه سلامًا.
عن المسافة التي ظننا أنها تحمينا
ثم اكتشفنا
أنها كانت تفصلنا عن إنسانيتنا.
غزة...
سامحيني.
ليس لأنني أملكُ عذرًا.
بل لأنني
لم أعد أملكُ عذرًا.
سامحيني
لأنك اضطررتِ إلى أن تنزفي
كي أستيقظ.
اضطررتِ إلى أن تصرخي
كي أسمع.
اضطررتِ إلى أن تفقدي كل شيء
كي أعرف
كم كنتُ أملكُ وأنا لا أدري.
صَوِّروني...
صَوِّروا امرأةً
تبكي لأول مرة منذ طفولتها.
لكن لا تسألوا
من سرق لعبتها الأولى.
اسألوا:
من سرق من أطفال العالم
حقَّهم في أن تكون لهم طفولة؟
ولا تسألوا
لماذا تبكي هذه المرأة.
اسألوا:
كيف استطاع العالم
أن يرى كل هذا
ثم ينام؟
صَوِّروني...
فربما تصلُ صورتي
إلى عينٍ ما.
وربما تصلُ دمعةٌ
إلى قلبٍ ما.
وربما يستيقظُ ضميرٌ
كان يظنُّ أن المأساة
تحدث دائمًا
في مكانٍ بعيد.
أنا اليوم
لا أبكي لأنني فرنسية.
ولا لأنني امرأة.
ولا لأنني في الثانية والستين.
أنا أبكي
لسببٍ أبسط
وأكثر وجعًا:
لأنني إنسانة.
ولأن الإنسان
حين يرى أخاه الإنسان
يُسحق تحت الركام
ثم يستطيع أن يقول:
«لا شأن لي»...
فقد ينجو جسدُه،
لكن شيئًا مقدسًا
في داخله
يكون قد مات.
صَوِّروني...
لكن هذه المرة
لا تصوّروا وجهي.
صوّروا الدموع.
ثم اتركوا الصورة
معلّقةً أمام العالم.
لعلّ أحدًا
يسأل نفسه:
متى أصبح الموتُ عاديًا؟
ولعلّ أحدًا آخر
يجيب:
حين مات الضمير
قبل أن يموت الإنسان
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق