الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

المشهد الأخير ....بقلم الكاتب خليل الحكمي

 المشهد الأخير 


​في المشهد الأخير من كل قصة، في لحظة الفراق مثلًا، نستوعب القصة كاملة. كل ما بُني من أحداث، وما تسارع من مشاعر، لم يكن إلا ليبلغ الحبكة الدرامية القاتلة... النهاية.

​قمة الشوق التي وصل إليها قلبك يعقبها انحدار. والحب العميق الذي تشعر الآن أنه يضغط صدرك، يوشك أن يلتف ليغادر. ليس لأن الحب كذب، بل لأن لكل ذروةٍ هبوطًا، ولكل اكتمالٍ بدايةَ نقصان.

​سيزيف لم يصارع الصخرة طوال حياته، وإنما جزءًا من وقته. بعدها تخلّى عن الحجر، وترك للصعود خواءه.

والبحر، في مدّه، ييأس للحظة من البلوغ... فيسجل جزرًا، ثم ينسى، ليعاود من جديد.

​لهذا، لا تُعمّر قناعتك برأيٍ يعارض الظواهر الكونية، فقط لأن شخصًا ما كان عاشقًا، أو فيلسوفًا، أو مكبوتًا، أو عاجزًا، فقاله. كلهم غير محايدين يا صديقي؛ فلكلٍّ منهم مكره في نصيحته، أو قناعته، أو حدود تجربته، أو قصورٌ في إدراك الشيء ذاته.

​لا تعذب نفسك لأن أحدهم كتب على جدار المدرسة في حارتك: «الحب عذاب وحطّم كل الشباب». طبعًا كانت تلك أول عبارة قرأتها وأنا صغير، فسكنت في مكانٍ خفيٍّ من الذاكرة، ومرّت كالسهم الذي امتشق القلب لاحقًا وبقي فيه، حافرةً مفهوم العذاب في الذاكرة الجمعية للشباب؛ ولو لم يكن هناك حبٌ لما كان هناك فراقٌ أصلًا، كما أن الحب ليس بالضرورة عذابًا.

​ولا تسمح لأحد أن يقول لك إن الطريق صعب ما لم تكن أنت فيه. ولا تصدّق من يمدح دربًا لا تعرفه؛ إن الحياة اكتشاف. ينبغي أن نفكك كل ما يتساقط علينا بفعل تواتر النصوص، والاقتباسات، وقوالب النصائح، وما يُقال ويُضخ كل لحظة في الحياة الرقمية.

​هذا الكم الهائل من المعلومات لا ينبغي أن يُبتلع كما هو؛ بل أن نواجهه، وأن نشركه أسئلتنا وفضولنا، وأن نشاغب في سبيل البحث عمّا يطابق قدراتنا وتجاربنا. فلكل إنسان عقلٌ وقلب، وعليه أن يستخدمهما بعيدًا عن قناعات الآخرين وتجاربهم، أو على الأقل في أكثر القضايا خصوصيةً في حياته.

​كل شيء نعيش حبكته، وكل حبكة تقود إلى النهاية... حتى المقالات.

​وقد نختم هذا المقال بما يناقض ما حزمت عليه أمرك قبل قليل. فمن قال لك إن كلامي صحيح؟ وإن لم تؤمن بما قلته، أو حتى ناقضته، أو شككت فيه... فربما تكون قد بدأت الرحلة الصحيحة.

​والآن... جرّب أن تبدأ من هنا، وقل لي رأيك الشخصي. 


​خليل الحكمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسس و قواعد الشعر الحر ....بقلم الأديب د.بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

 أسس وقواعد الشعر الحر ( قصيدة النثر ) توطئة : الشعر الحر أو كما يسمى قصيدة النثر ، أتت بعد مرور القصيدة العامودية بمراحل ، بدء من العصر الج...