كيف أقولُ "أُحِبُّكِ".. كَكَاتِب؟
والآن.. دَعِينِي أَقُولُ لَكِ "أُحِبُّكِ" كَكَاتِبٍ لَا كَشَاعِر؛ وأَنَا الشَّاعِرُ الَّذِي قَالَهَا لَكِ بِكُلِّ النُّسَخِ والأَندِفَاع، وَقَفْتُ عَلَى الأَطْلَال، وَعَلَى بَيَانِ وَجْهِكِ، وَصَفَاءِ حُبِّي. ولِأَنِّي الكَاتِبُ والشَّاعِرُ مَعًا، كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ أَكُونَ شَاعِرَكِ، فَقَتَلْتُ الكَاتِبَ دَاخِلِي مِنْ أَجْلِكِ.. ولِلْإِنْصَاف، سَأَكْتُبُ اليومَ كَلِمَةَ "أُحِبُّكِ" كَكَاتِب، لا أَعْرِفُ كَيْفَ سَأَقُولُهَا وما الَّذِي يَخْتَلِفُ حِينَ أَنْطِقُهَا بعَقْلِ الكَاتِبِ لا بِجُنُونِ الشَّاعِر.. كَيْفَ يَكُونُ الحُبُّ تَوَرُّطًا، وَكَيْفَ يَكُونُ وَعْيًا؟
أَنَا الآنَ خَلِيلٌ الكَاتِبُ.. وأَنْتِ حَبِيبَتِي، فَاقْرَأِي:
عَبَرْتُ إِلَى الجِهَةِ الأُخْرَى؛ أَغْرَيْتِنِي أَنْ أَتْرُكَ مَكَانِي وَأَتَحَرَّكَ.. أَنَا الَّذِي أَرْقُبُ وَأَتَأَمَّلُ، وَإِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى بُعْدٍ آخَرَ كَتَبْتُ؛ لا أَلْمَسُ الأَشْيَاءَ بِيَدَيَّ إِلا إِذَا اضْطُرِرْتُ. يَأْتِي اضْطِرَارِي مِنْ ضَعْفِي، وَيَنْبُعُ ضَعْفِي مِنْ ثِقَتِي وَتَصَوُّرِي الخَاطِئِ — أَوْ تَصَوُّرِي عُمُومًا. لَمْ أَنْجَحْ مَعَ تَصَوُّرِي كَثِيرًا، فَغَالِبًا مَا يَكُونُ تَصَوُّرِي هُوَ رَغْبَتِي، وَهُنَا دَائِمًا مَا أَنَدَمُ.
أَيْنَ تَكُونِينَ أَنْتِ مِنْ بَيْنِ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَقُولُهَا؟ هَلْ أَنْتِ تَصَوُّرِي، أَمْ رَغْبَتِي، أَمِ الاِثْنَتَانِ مَعًا؟
وَبِالمُقَابِلِ، حِينَ أَنْدَفِعُ لِتَغْيِيرِ مَكَانِي، يَلْزَمُنِي جُهْدٌ كَبِيرٌ وَلَوَازِمُ بِحُكْمِ التَّغْيِير؛ معاني أُخْرَى، وَتَفْكِيرٌ، وَأَتْعَابُ مَا قَبْلَ أَنْ أَغْدُوَ، وَأَتْعَابُ مَنْ صِرْتُ عَلَيْهِ.
الخُطَطُ تَتَبَدَّلُ، والمُحِيطُ يُرْهِقُنِي: أَشْخَاصٌ مُسْتَنْزِفُونَ لِتَأَمُّلِي، وَأَمَاكِنُ سُرْيَالِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ تَكْسِرُ خَيَالِي، وَثَقَافَةٌ مُسْتَهْلَكَةٌ لِنَمَطِ قِرَاءَتِي!
أَنَا لَسْتُ إِنْسَانًا عَادِيًّا لِتَكُونَ خَسَارَتِي أَوْ فَوْزِي بِمِقْيَاسٍ مُعَيَّن؛ أَنَا عِدَّةُ جِهَاتٍ تَعْمَلُ مَعًا، وَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ أَنْ تَنْتَبِهِي لِمَا أَقُومُ بِهِ. عَلَيْكِ أَنْ تُدْرِكِي المَكَابَرَةَ الَّتِي أَقُومُ بِهَا، المَغَامَرَةَ، الإِيمَانَ الَّذِي أَعْتَنِقُهُ لأُفَكِّرَ فِيكِ أَصْلًا.. وَجْهَكِ حِينَ أَرْسُمُهُ بِقَصَائِدِي أَوْ نَثْرِي، الزَّاوِيَةَ الَّتِي كُنْتُ حِينَهَا أَرْقُبُ فِيهَا تُفَّاحَةَ حَلْقِكِ، الوَعْيَ لِفِتْنَةِ عَيْنَيْكِ، الاِكْتِرَاثَ الجَادَّ بِتَقَاسِيمَ حَوْلَ الثَّغْرِ، الٱنْدِهَاشَ مِنْ ثَغْرِكِ ذَاتِهِ المُعَلَّقِ كَحَبَّةِ كَرَزٍ، الاِجْتِرَارَ إِلَى مُرَبَّعِكِ بِفِعْلِ ٱبْتِسَامَتِكِ وَطَرِيقَةِ تَحَدُّثِكِ، والأَحْتِيَاجَ المُلِحَّ لِكَيْفِيَّةِ نَطْقِكِ لِٱسْمِي.
وَيَبْقَى الاِرْتِبَاكُ ارْتِبَاكِي؛ بَيْنَ أَنْ أُرِيدَكِ أَنْ تَرَحَلِي وَأُرِيدَكِ أَنْ تَبْقَيْ، بَيْنَ كَوْنِي لا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَكِ، وَبَيْنَ سُؤَالِي: لِمَاذَا لَمْ أَعْرِفْكِ مِنْ قَبْلُ؟
جَدْوَلٌ مُرْهِقٌ ذَاكَ الاِرْتِبَاكُ، وَمَصْفُوفَةٌ مِنَ المَشَاعِرِ تَقْتُلُنِي جِدًّا. هَذِهِ حَيْثِيَّاتٌ لَيْسَتْ لِعَاشِقٍ بَسِيطٍ، وَإِنَّمَا لِجِهَةٍ تَكْبُرُ بِقَدْرِ ثَقَافَتِي.. وَمَا يَكْبُرُ فِعْلًا هُوَ غُمُوضُ أَخْذِكِ لِمَوْضُوعِي، كَأَنَّنِي أَشْبَهُ أَحَدًا مَا هُنَا.
أَرَأَيْتِ كَيْفَ يُفَكِّكُ الوَعْيُ الحُبَّ، وَكَيْفَ يُقَاوِمُ الفِكْرُ القَلْبَ وَيُرَوِّضُهُ؟ إِﻧَّﻬَﺎ مَعْرَكَتِي الأَزَلِيَّةُ كَإِنْسَانٍ يَسْكُنُهُ شَاعِرٌ وَكَاتِب.
— خليل الحكمي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق