مقدمة الكتاب
يأتي هذا الكتاب استجابةً لحاجة ملحّة في النقد العربي الحديث إلى إعادة النظر في مفهوم الشعر، وفي المسار الطويل الذي عبرته القصيدة العربية منذ الجاهلية حتى قصيدة النثر المعاصرة ولم يكن الهدف من هذا العمل أن يكون دراسة تاريخية فحسب، بل أن يكون منهجًا نقديًا يربط بين تطوّر الشكل الشعري وبين التحوّلات الثقافية والفكرية التي رافقت هذا التطوّر .
لقد بُني هذا الكتاب على رؤية واضحة أن قصيدة النثر ليست قطيعة عصور التراث، بل هي نتيجة طبيعية لمسار طويل بدأ قبل
الخليل، ومرّ بالعصور الكبرى للشعر العربي، ثم وصل إلى الحداثة، حيث تغيّر مفهوم الشعر نفسه، وتحوّل من الوزن إلى اللغة، ومن التفعيلة إلى الإيقاع الداخلي، ومن الشكل إلى التجربة
ولكي يكون هذا الكتاب منهجيًا، فقد قُسّم إلى عشرة أبواب متتابعة، كل باب يمهّد للذي يليه، بحيث تتكوّن لدى القارئ صورة شاملة عن تطوّر الشعر العربي، وعن الظروف التي جعلت قصيدة النثر ممكنة، ثم ضرورية، ثم جزءًا من المشهد الشعري الحديث .
الباب الأول: ماهية الشعر عبر التاريخ :
يضع هذا الباب الأساس النظري للكتاب، فيعرّف الشعر لغةً واصطلاحًا، ويبحث في العلاقة بين الإيقاع واللغة والخيال، ثم يتتبّع تطوّر مفهوم الشعر عبر العصور. هذا الباب ضروري لأنه يحدّد ما الذي نسمّيه شعرًا قبل أن نناقش قصيدة النثر .
الباب الثاني: الشعر الجاهلي :
يقدّم هذا الباب قراءة جديدة للشعر الجاهلي، بوصفه شعرًا شفاهيًا يعتمد على الإيقاع السمعي أكثر من التفعيلة. ويُبرز دور المعلّقات في تشكيل الذائقة العربية، ويكشف عن مرونة الوزن قبل الخليل، وهي المرونة التي ستصبح لاحقًا أحد جذور قصيدة النثر .
الباب الثالث: الشعر في صدر الإسلام والعصر الأموي
يبحث هذا الباب في التحوّل اللغوي والديني الذي أثّر في الشعر، وفي ظهور النقائض والغزل العذري والخطاب السياسي، وهي تجارب أسّست لوعي جديد بالشعر، وبوظيفته، وبقدرته على التعبير عن المجتمع .
الباب الرابع: العصر العباسي :
يمثّل هذا الباب ذروة التطوّر الشعري العربي، حيث ظهرت التجديدات الكبرى في الصورة والبناء والموسيقى. ويُبرز دور أبي تمام والبحتري والمتنبي في توسيع مفهوم الشعر، وفي كسر بعض القيود التقليدية، مما مهّد لظهور أشكال شعرية أكثر حرية
الباب الخامس: عصر الانحطاط
يقدّم هذا الباب قراءة نقدية لمرحلة الركود، ويكشف أسباب التراجع في اللغة والخيال والبناء، وهي أسباب ستدفع لاحقًا إلى البحث عن أشكال جديدة للتعبير
الباب السادس: عصر النهضة (اليقظة)
يبحث هذا الباب في عودة الروح إلى الشعر العربي عبر البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم، وفي أثر الاحتكاك بالغرب، وفي ظهور المدارس الأدبية الحديثة. هنا تبدأ البذور الأولى للخروج من عمود الشعر .
الباب السابع: شعر التفعيلة (الشعر الحر)
يمثّل هذا الباب نقطة التحوّل الكبرى في الشعر العربي الحديث، حيث ظهرت التفعيلة بوصفها شكلًا جديدًا يكسر وحدة البيت، ويعتمد على السطر الشعري والإيقاع الداخلي. ويعرض تجارب نازك الملائكة والسياب والبياتي، ويبيّن كيف مهّد الشعر الحر لظهور قصيدة النثر
الباب الثامن: قصيدة النثر
هذا هو قلب الكتاب. يبحث الباب في الجذور العالمية لقصيدة النثر، وفي دخولها إلى العربية عبر أنسي الحاج وأدونيس والماغوط، وفي خصائصها الفنية
الغنائية الداخلية
الصورة المركّبة
اللغة المكثفة
وحدة الشعور
الإيقاع غير الوزني
كما يناقش الجدل النقدي حولها، ويعرض رأي المدرسة التقليدية، وخاصة رأي صاحب كتاب «شعرنا الحديث إلى أين؟» الذي يرى أن قصيدة النثر خروج عن الشعر نفسه. ويوازن الكتاب بين هذا الرأي وبين الرؤية الحداثية التي ترى في قصيدة النثر شكلًا شعريًا جديدًا له شرعيته وجمالياته.
الباب التاسع: أسس وقواعد كتابة قصيدة النثر
يقدّم هذا الباب منهجًا عمليًا لكتابة قصيدة النثر، فيبحث في :
بناء الجملة الشعرية
صناعة الصورة
الإيقاع الداخلي
وحدة الشعور
الدهشة الشعرية
معايير الحكم على النص
وهذا الباب هو الجانب التطبيقي للكتاب، ويصلح للباحثين والكتّاب معًا.
الباب العاشر: نماذج تطبيقية
يقدّم هذا الباب تحليلات لنصوص عربية وعالمية، ويقارن بين نصوص ناجحة وأخرى ضعيفة، ثم يقدّم تطبيقًا عمليًا لكتابة قصيدة نثر خطوة بخطوة، ليكون الكتاب منهجًا نقديًا وتعليميًا في آن واحد
بهذه البنية، يصبح الكتاب رحلةً نقدية متكاملة، تبدأ من تعريف الشعر، وتمتد عبر العصور، ثم تصل إلى قصيدة النثر بوصفها نتيجة طبيعية لمسار طويل من التحوّل الإيقاعي واللغوي. إنه كتابٌ لا يدافع عن قصيدة النثر ولا يهاجمها، بل يضعها في سياقها التاريخي، ويقدّم منهجًا علميًا لفهمها وكتابتها، ويوازن بين التراث والحداثة، وبين الوزن والإيقاع الداخلي، وبين الشكل والتجربة
الباب الأول: ماهية الشعر عبر التاريخ :
الشعر كائنٌ حيّ، لا يموت، وإن خبا وهجه في زمنٍ ما فإنه يعود ليشعّ بسحره وجماليته ..
وكما يتطوّر الكائن الحيّ عبر أطوار الخلق، يتطوّر الشعر عبر أطوار اللغة والوجدان.
يقول الله تعالى في محكم آياته :
﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ ثم يصف مراحل الخلق في قوله تعالى :
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً… ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ .
وكما يتحوّل الإنسان من طورٍ إلى طور، يتحوّل الشعر من شكلٍ إلى شكل، ومن إيقاعٍ إلى آخر، دون أن يفقد جوهره .
ما هو الشعر؟
عرّف العرب الشعر بأنه الكلام الموزون المقفّى المقصود، وجعلوا الوزن والقافية معيارًا أوحد للشعر، وميّزوه بذلك عن سائر الفنون الأدبية.
وظلّ هذا التعريف قائمًا عند غلاة التقليديين حتى يومنا هذا، حتى أصبح المساس به مساسًا بالذات الشعرية نفسها .
غير أنّ المدرسة الحديثة قدّمت رؤية مختلفة، كما يقول الدكتور ** إبراهيم أنيس في كتابه : موسيقا الشعر **
( الشعر فنّ من الفنون الجميلة، يخاطب العاطفة ويستثير الوجدان، جميلٌ في ألفاظه، جميلٌ في تراكيبه، جميلٌ في موسيقاه الداخلية، بحيث تتردّد مقاطعه في الأذن نغمًا منتظمًا )
بهذا المعنى، يصبح الشعر جمالًا لغويًا قبل أن يكون وزنًا، وطاقةً وجدانية قبل أن يكون تفعيلة وقافية وروي .
الفصل الأول: الشعر الجاهلي – ماله وما عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُعدّ الشعر الجاهلي أقدم ما وصل إلينا من التراث الشعري العربي، غير أنّ ما نملكه اليوم ليس بالضرورة ما قاله الشعراء الجاهليون حرفيًا، بل ما حفظته الرواية الشفاهية عبر القرون. وقد أشار الجاحظ إلى هذه الحقيقة حين قال إن أقدم قصيدة وصلت إلينا لا يتجاوز عمرها مئة وخمسين سنة قبل الإسلام، وهو تصريح يكشف حجم الفجوة الزمنية بين زمن القول وزمن التدوين، ويطرح سؤالًا نقديًا جوهريًا هل الشعر الجاهلي نصٌّ أصيل أم نصٌّ مروي؟
إنّ هذا البعد الزمني الطويل يجعل الشعر الجاهلي أقرب إلى “الذاكرة الجمعية” منه إلى “النصّ المكتوب”، ويُفسّر كثيرًا من الظواهر التي نجدها فيه، مثل اختلاف الروايات، وتعدّد النسخ، وتباين الألفاظ، بل وظهور بعض الكسور العروضية التي لا يمكن تفسيرها وفق نظام الخليل .
. فالشعر الجاهلي لم يكن يُكتب، بل كان يُؤدّى، وكان الشاعر يعتمد على الإيقاع السمعي، لا على التفعيلات، مما يجعل الأداء جزءًا من النص، والرواية جزءًا من التكوين .
ولهذا السبب، فإن دراسة الشعر الجاهلي ليست دراسة وزنٍ وصورةٍ فحسب، بل دراسة شفاهية ورواية وأداء، ودراسة مجتمعٍ كاملٍ كان يرى الشعر ديوانًا للحياة، لا مجرد فنّ لغوي .
وإلى اللقاء مع الشعر الجاهلي : الأسلوب – العروض وما لهذا الشعر وما عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش
@الجميع


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق