ولادة جديده
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
------------
ما أقبحَ هذا العصرَ...
عصرَ الحضارةْ!
وأيُّ حضارةٍ تلك
التي لا نرى في وجهِها
إلّا القتلَ...
والموتَ...
والسلبَ...
والخسارةْ؟
أينَ السلام؟
وأينَ الصدقُ الذي
كان يومًا
يطرقُ أبوابَ القلوب؟
فلا سلامٌ أطلَّ علينا،
ولا الصدقُ طرقَ بابي
ولا للحبِّ
في هذا الزمانِ
دارٌ...
ولا للحقِّ بين الناسِ
منبرٌ أو منارةْ.
قتلٌ... وانتقامْ،
والليلُ يلبسُ ثوبَ المآتمِ،
وأنا،
أقيمُ كلَّ ليلةٍ
مراسيمَ العزاءْ،
على ما يجري في بلادي...
أعزّي الترابَ
في الذين رحلوا،
وأعزّي الأمهاتِ
في فلذاتِ الأكباد،
وأعزّي القصيدةَ
حين يُكمَمُ صوتُها،
وأعزّي الوطنَ
حين يُغتالُ فيه
حتى معنى الحياةْ.
قد أهدأ...
لكنهم شلّوا حركاتي،
وأثقلوا أنفاسي،
وأربكوا نبضَ قلبي،
ورموني مريضًا
طيلةَ الفصلِ على فراشي...
أهذي في منامي،
وأهذي في يقظتي،
وأهذي بين حروفِ قصائدي:
قتلونا...
لم يقتلوا أجسادَنا وحدَها،
بل قتلوا فينا
لذّةَ الحياةْ،
وأطفؤوا في العيونِ
مصابيحَ الرجاء،
وزرعوا الشرَّ في كلِّ وادٍ،
وفي كلِّ زقاقْ،
حتى غدا الخوفُ جارَنا،
وصار الصمتُ رفيقَ الطريقْ.
ذبحوا الأماني
قبل أن تُولد،
وأجهضوا الأحلامَ
قبل أن ترى النور،
فما أمنيةٌ أينعتْ...
ولا ثمرةٌ أثمرتْ،
ولا غصنُ حلمٍ
استطاعَ
أن يلامسَ السماءْ.
وحرموا الجمهورَ
من قصائدي،
وحاصروا صوتي
خلفَ الأبوابْ،
فأنا سجينٌ...
سجينٌ بين جدرانٍ أربعة،
لا أملكُ غيرَ الحرفِ
سلاحًا،
ولا أملكُ غيرَ الشعرِ
بابًا إلى النجاةْ.
ولولا فاطمة...ولولا ابنتي،
لاشتدَّ بي العذابْ،
ولولا الوحيُ ما كتبتُ قصائدي،
ولولا تلك اليدُ الصغيرةُ
التي تحفظُ عني
ما يفيضُ به القلبُ
من وجعٍ...
لما بقيَ لي
في هذا العالمِ صوتٌ ولا صدى.
وها أنا الآن أسمعُ همسًا
في عتمةِ الليل...
كأنَّ الوحيَ،
نزلَ ضيفًا على قلبي.
فاطمة...يا ابنتي،
دوني قصيدتي،
فقد جاءَ موعدُها،
وحانَتْ الآن ساعتي.
ها هي العاصفةُ
تهبُّ من جهةِ الفجر،
ها هي رياحُ التحريرِ
تشقُّ جدارَ الصمتْ،
وفي الأفقِ صوتٌ يهدر:
اللهُ أكبر!
فاضَ النورُ
من بينِ الركام،
وانهارتْ متاريسُ الظلام،
وتهاوتْ عروشُ البغي،
وانكشفتْ
قصورُ شياطينِ الشرِّ
على حقيقتِها.
اقتُلعتْ جذورُهم
من أرضِنا،
وتناثرتْ عروشُهم
كأوراقٍ يابسة،
وحملتها الرياحُ
بعيدًا...
بعيدًا،
حتى استقرّتْ
في أعماقِ البحرْ.
وصعدتْ صرخاتُ المظلومين
من تحتِ الركام،
فاخترقتْ
سدودَ الظلم،
وكسرتْ أبوابَ السجون،
وفتحتْ للنورِ طريقًا
إلى كلِّ بيتْ.
فلا سدٌّ بقيَ لهم،
ولا حصنٌ، ولا ملجأْ...
وانحنى الليلُ
أمامَ شمسِ الصباحْ.
يا فاطمة...اكتبي:
اليومَ ليس كالأمسْ.
اكتبي على جدرانِ المدنِ
التي أتعبها الانتظار:
أعلنوا اليومَ عيدًا،
فقد تنفّسَ الوطنْ.
أعلنوا اليومَ عيدًا،
فإنَّ الليلَ مهما طال
لا بدَّ أن يرحل،
وإنَّ الظلمَ مهما تجبّر
لا بدَّ أن يزول.
واكتبي آخرَ سطرٍ
بمدادِ النور:
الظلمُ لن يدوم...
والفجرُ آتٍ،
ولو طالَ الطريقْ.
ولادة جديدة
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق