الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

اعتراف ...بقلم الشاعر عبدالصاحب أميري


 اعتراف

بقلم

السفير عبدالصاحب أميري 

عبدالصاحب الأميري

&&&&&&&& 

اعتراف

أتركوني لحالي...

قلتُها ألفَ مرّة ومرّة،

قلتُها حتى صار صوتي

أضعفَ من أن يصل إلى آذانكم،

وأقوى من أن يموت في حلقي.

أنا لا أعرف شيئا...

أقسم بذلك،

ولا أملك من المعرفة

إلا ما وضعته أمّي في قلبي،

وما حفظته من دروسي،

وما علق بذاكرتي من حكايات جدّتي

حين كان الليل آمنًا،

وحين كان الخوف مجرّد حكاية

نسمعها قبل النوم.

قالت لي أمّي:

"يا بني، قل الحقيقة...

فالصّدق باب إلى النّجاة."

فجئتكم بالحقيقة.

لكنّكم لم تريدوا الحقيقة.

أردتم اعترافًا.

وإن كنت أعلم شيئًا،

لاعترفت.

ما الذي يمنعني من الاعتراف

بشيء أعرفه؟

لا شيء...

لكنّني لا أعرف.

والله شاهد على ما أقول.

فبماذا أعترف؟

بالجلّاد؟

ذلك الذي يقف أمامي

وعيناه لا تريان إنسانًا،

بل جسدًا يصلح للعقاب.

يقترب...

يشتمني...

يهددني...

ثم يرفع صوته فوق صراخي:

اعترف

فأقول:

بماذا؟

فيعيدها:

اعترف...

وإلّا ستموت تحت سيّاطي.

أنظر إلى السّوط

وأتساءل:

كيف يمكن لجلدٍ من جلد

أن يكون أقوى من الحقيقة؟

يضربني...

ضربة.

ثم أخرى.

حتّى يصبح جسدي

خريطةً من الألم.

ثم يقول:

اعترف

فأقول:

ماذا تريدني أن أعترف؟

هل تريدني أن أخترع جريمةً

لم تقع؟

هل تريدني أن أختار اسمًا

وأمنحه لكم

كي تناموا مطمئنين؟

هل تريدون منّي

أن أكذب حتّى تصدّقوا كذبتي؟

ثم يأتي التهديد الأخير...

ذلك الذي يعرف الجلّاد

أنّه لا يترك في القلب مكانًا للصمود:

سآتي بها...

بزوجتك.

يسكت كلّ شيء.

يتوقّف العالم لحظة.

ثم يقول:

سأعذبها أمام عينيك.

يقولها كأنّه يتحدّث

عن شيء لا قيمة له.

ثمّ يضيف:

سأجعلها تعرف سيّاطي،

ستمزّق صرخاتها هذا الصمت،

وستتوسّل إليك أن تتكلّم...

وحينها...

ستعترف.

لكنّها ستعترف

بما لا تعرف.

وأنا أيضًا

سأعترف بما لا أعرف.

ليس لأنّ الحقيقة تغيّرت،

بل لأنّص الخوف

أصبح أقوى من قدرتنا على الاحتمال.

أيُّ عدالة هذه

التي تحتاج إلى سوط؟

وأيُّ حقيقة تلك

التي تحتاج إلى تهديد امرأة

كي تُنتزع من فم رجل؟

أنتم لا تريدون اعترافي...

أنتم تريدون منّيص

أن أصنع لكم اعترافًا.

تريدون كلماتٍ

تضعونها في فمي،

ثم تسمونها حقيقة.

تريدون منّي

أن أخون ما علمتني أمّي

كي أنجو منكم.

لكن أمّي لم تعلّمني كيف أخاف.

علّمتني أن الصدق

قد يفتح باب النّجاة،

وأنّ الكذب

قد يفتح بابا  للهلاك.

لذلك سأقولها...

ولو نزف فمي:

أنا لا أعرف شيئًا.

ولو انكسر شيئا:

أنا لا أعرف شيئًا.

ولو رفع الجلّاد سوطه:

أنا لا أعرف شيئا.

ولو وضع الموت أمام عيني:

أنا لا أعرف شيئا.

فأنا أعرف دروسي...

وأعرف حكايات جدّتي...

وأعرف صوت أمّي

حين كانت تقول لي:

"لا تكذب يا بني،

فالحقيقة قد تؤلمك،

لكن الكذب سيجعلك غريبًا عن نفسك."

لهذا...

خذوا ما شئتم من جسدي،

لكن لا تطلبوا منّي

أن أضع الكذب على لساني

وأسميه اعترافا.

فأنا لا أخاف أن أموت...

ما أخشاه حقّا

أن أبقى حيّا

وأحمل في داخلي

اعترافا لم يكن لي.

لن أعترف بما لا أعرف.

لأنّني، حتّى وأنا تحت السّياط،

ما زلت أعرف شيئا واحدا:

أنّ الحقيقة  تصبح كذبا

لمجرّد أنّ الجلّاد

أمسك بالسّوط.

بقلم

السفير عبدالصاحب أميري

عبدالصاحب الأميري

العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قفي على منبري ...بقلم الشاعر فخري شريف

 قفي على منبري وصرخ بصوت نار الحب في قلبي  ثم تبرأت من الذنب بقلمي    إذا اجتاحت   بحر هوائي    ولاطمت الأمواج حذائي    هنا أفشت كلام من سري...