الأحد، 2 أغسطس 2026

حاكمته كلماته...بقلم الكاتب ماهر اللطيف


 حاكمته كلماته


بقلم: ماهر اللطيف / تونس


انحنت وراءه، ربّتت على شعره، ومسحت دموعه، ثم رفعت رأسه قليلًا وهي تدعوه إلى الإنصات:


- إلى متى ستبقى على هذا الحال؟ (ترفع رأسه بعد أن طأطأه.) أجبني يا بني، لا أطيق رؤيتك وأنت تتألم.


- (بعد برهة، وهو يكفكف دموعه) خسرت كل الناس... ثم خسرت نفسي. حتى الدنيا أدارت ظهرها لي.


- (تقبّل جبينه) استغفر الله. قم فتوضأ وصلِّ، ثم اقرأ وِردك اليومي، ولنا بقية حديث بعد ذلك.


- (بعد أن حدّق فيها مليًا) فعلت ذلك أكثر من مرة اليوم، ومع ذلك سأعيد.


اتجه صوب بيت الاستحمام بخطى مثقلة تحمل هموم الدنيا، فيما بقيت نفيسة في مكانها، تستعيد ما جرى قبل عشرة أيام.


كان قد فتح باب المنزل بعنف كاد يخلعه من موضعه، واندفع نحوها، وارتمى في حضنها، وأطلق العنان لبكائه ونحيبه وعويله كطفل أنهكه الوجع.


وبعد وقت طويل، هدأ قليلًا، فنجحت في أن تنتزع منه ما أثقل صدره.


أخبرها أنه يجني اليوم ما زرعته يداه.


فقد بات يعاني من سوء معاملة زميلاته وزملائه ورئيسه في العمل، بل وكل من يتعامل معهم. أما زوجته رقية، فقد غادرت بيت الزوجية إلى منزل أهلها بعدما ملت شكاوى الناس وتذمرهم من أفعاله.


فقد كان مولعًا بالكذب، والرياء، والنفاق، والنميمة، وإيقاد نار الفتنة بين الناس. لم يكد يترك أحدًا في سلام، بل ما إن يلج مكانًا حتى يخرج منه وقد خلّف وراءه خصومات وقلوبًا متنافرة.


وأخيرًا... انكشف أمره.


استدعاه رئيسه إلى قاعة الاجتماعات التي غصّت بالحاضرين.


ما إن ولجها حتى أدرك أن الأمر لا يشبه أي اجتماع سابق. كانت الوجوه جامدة، والعيون مصوّبة نحوه.


شرع رئيسه في عرض شكاوى زميلاته وزملائه والحرفاء، ثم أخرج ورقة أخيرة.


- وهذه شهادة زوجتك.


تغيّر لون وجهه، وتلعثم، وجفّ ريقه.


توالت الشهادات، وكل واحد منهم يواجهه بما قاله أو فعله في حقه. كلمات كان يظنها ماتت، فإذا بها تعود اليوم لتقف شاهدة عليه.


حاول الدفاع عن نفسه، فلم تسعفه الكلمات، وحاول الانصراف، فمنعه رئيسه.


طلب منه أن يكتب استقالته فورًا، فامتثل صاغرًا. وما إن همّ بالمغادرة، حتى تعالت أصوات تطالب بعدم الاكتفاء بالاستقالة، وإحالة ملفه إلى القضاء.


ومنذ ذلك اليوم، لم يعد وليد هو وليد.


فقد ثقته بنفسه، وبكل من حوله. مرض، وفكر في الانتحار أكثر من مرة، وأضرب عن الطعام والشراب، وحبس نفسه في غرفة ضيقة في آخر المنزل، رافضًا التواصل مع الجميع، باستثناء نفيسة.


عرضته على طبيب نفسي، ولم تكتف بذلك، بل كثّفت جلسات العلاج بعدما لمست تحسنًا تدريجيًا في تفاعله معه.


كما لازمته، تحثه على الصلاة، وتلاوة القرآن، ومطالعة الكتب الدينية والنفسية والاجتماعية، واقترحت عليه السفر معها إلى الخارج لقضاء فترة نقاهة، لكنه رفض.


بل إنها اتصلت بزوجته، راجية منها أن تعينه على تجاوز محنته، لكنها تمسكت بالفراق، وأصرت على الطلاق.

عاد وليد بعد قليل.


أخبر نفيسة أنه صلى ركعات متتالية، وتلا سورة يس، وشعر بشيء من السكينة يتسلل إلى قلبه.

ابتسمت.


اقترب منها، قبّلها بحرارة كالأطفال، ثم وضع رأسه على ركبتيها، واستسلم لنوم عميق.


ظلت تمسد شعره، وترفع كفيها إلى السماء، وهمست:


"اللهم لا ترده كما كان... رده إليك ردًا جميلًا."


كانت تعلم أن طريق التغيير طويل، لكنها كانت تؤمن أن القلب الذي اهتز، لن يعجز الله عن هدايته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حاكمته كلماته...بقلم الكاتب ماهر اللطيف

 حاكمته كلماته بقلم: ماهر اللطيف / تونس انحنت وراءه، ربّتت على شعره، ومسحت دموعه، ثم رفعت رأسه قليلًا وهي تدعوه إلى الإنصات: - إلى متى ستبقى...