الكتابة بين التعقيد والبساطة (مقال)
بقلم: ماهر اللطيف / تونس
الكتابة من أرقى وسائل التواصل البشري، تُجسِّد اللغة في علامات ورموز خطية، لكنها ليست لغةً في ذاتها، بل أداة ينقل بها الكاتب أفكاره وآراءه ومشاعره إلى المتلقي، ويحفظ بها الإنسان معارفه وتجاربه للأجيال اللاحقة.
وتقوم العملية الكتابية على ثلاثية متكاملة: الباث، والرسالة، والمتلقي. فلا تكمن جودة النص في جمال عباراته فحسب، بل في قدرته على إيصال رسالته بوضوح وتأثير، مع مراعاة طبيعة المتلقي ومستواه الثقافي والمعرفي.
ولأن الكتابة ابنة بيئتها وزمانها، فقد تنوعت أساليبها بتنوع الحضارات والثقافات، واختلفت باختلاف المرجعيات الفكرية والعلمية والاجتماعية. وإذا تأملنا جانبًا من الكتابة العربية المعاصرة، أمكن -على سبيل التقريب لا الحصر- تمييز ثلاثة اتجاهات بارزة في الأسلوب: الأسلوب الصعب المتشعب، والأسلوب السهل الممتنع، والأسلوب السهل المباشر.
فالأسلوب الصعب المتشعب يعتمد مفردات قليلة التداول، وتراكيب لغوية معقدة، وصورًا ذهنية كثيفة، فيحتاج القارئ إلى ثقافة واسعة وإلمام بالمعاجم والمراجع لفهم مراميه. وقد يفرض الموضوع هذا الأسلوب أحيانًا، بينما يلجأ إليه بعض الكُتّاب رغبةً في إظهار تمكنهم من اللغة وسعة معجمهم.
أما الأسلوب السهل الممتنع، فيقوم على لغة واضحة وألفاظ مألوفة وتراكيب سلسة، لكنه يخفي وراء هذه البساطة عمقًا فكريًا ودقةً في الصياغة، فيبدو يسيرًا عند القراءة الأولى، ويكشف معانيه وإيحاءاته كلما أعاد القارئ قراءته وتأمله. ولذلك عُدَّ من أصعب الأساليب إبداعًا؛ لأن بلوغ البساطة دون الوقوع في السطحية ليس بالأمر الهيّن.
أما الأسلوب السهل المباشر، فيعتمد الوضوح والعبارات الميسرة، ويهدف إلى إيصال الفكرة بسرعة ودون تعقيد، لذلك يكثر في الكتابات التعليمية والتوعوية والإرشادية، كما يناسب الأطفال والمبتدئين، وكل مقام يقتضي خطابًا مباشرًا.
غير أن لكل أسلوب مزاياه وحدوده. فالأسلوب الصعب، على ما فيه من عمق وقيمة فنية، قد ينفّر بعض القراء إذا غلب عليه الغموض أو التكلف، فيضطرهم إلى كثرة الرجوع إلى المعاجم والمراجع، مما يقطع تسلسل القراءة ويضعف التفاعل مع النص.
أما السهل الممتنع، فيتميز بقدرته على مخاطبة مختلف الشرائح، جامعًا بين بساطة التعبير وعمق الفكرة، غير أنه يحتاج إلى موهبة حقيقية وخبرة لغوية راسخة؛ إذ إن أي خلل في بنائه قد يحوله إلى كتابة عادية يغلب عليها الإسهاب أو السطحية.
في المقابل، يحقق الأسلوب السهل المباشر غايته في سرعة الفهم وسهولة التلقي، لكنه قد يفقد شيئًا من العمق والجمال الفني إذا بالغ في التبسيط أو أهمل العناية بالصياغة.
وخلاصة القول، ليست قيمة الكتابة في صعوبة ألفاظها ولا في بساطة عباراتها، وإنما في قدرتها على أداء رسالتها بأفضل صورة ممكنة. فالكاتب المبدع ليس من يُرهق قارئه بالتعقيد، ولا من يفرط في التبسيط، وإنما من يحسن اختيار الأسلوب الذي تخدم به الفكرة غايتها، ويبلغ برسالته عقل المتلقي وقلبه في آن واحد.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق