"من مذكرات أستاذ جامعي"
"التربية بالبيت ومدرسة العيب المتطورة"
تعودتُ من سنوات بعيدة أن أرجع إلى مذكراتي، وفيما كتبته وأنا في المرحلة "الإبتدائية" والمرحلة "الإعدادية" والمرحلة "الثانوية" فقط "لوجود أمي في الحياة معنا"، دون الرجوع لما كتبته وأنا طالب في الجامعة في فرنسا أو في القاهرة، والذي لفت نظري هذه السنة 2026 أن ما سجلته عما إكتسبته من المدرسة التي كنت أدرس بها، أقل بكثير مما إكتسبته من المدرسة المنزلية من حيث الأخلاق، ففي البيت كانت هناك مدرسة إسمها "العيب"، حيث أمي هي المديرة والناظرة والمدرسة الوحيدة في تلك المدرسة، (وكان شعار هذه المدرسة التعليم في الصغر كالنقش على الحجر)، سمعت منها منذ الدرس الأول إلى أن توفاها الله (رحمة الله عليها)، أن هناك كلمة لها شأن عظيم يجب أن تظل أمام عيوننا دائماً وهذه الكلمة هي وحدها مدرسة بل هي جامعة، ومن يتحصل على أعلى الشهادات العلمية من الجامعات ولا يتحصل على شهادة "العيب" من البيت، فهو لم يتحصل على شيء يهذبه فإذن هو جاهل، فالعيب ظلت تتردد في بيتنا حتى أصبحت مكوناً سلوكياً لكل من في البيت، لا أستطيع وأخواتي تخطيه مهما كانت الظروف، فعندما نكون على مائدة الطعام نجد من تجلس على رأس المائدة كلمة "العيب"، وتسمع منها عيب كٌل من أمامك، عيب كُل باليد اليمنى، عيب تتكلم وإنتَ بتأكل، عيب تقوم أولاً وعندك ضيف، وفي البيت تسمع من أمي عيب أن تدخل غرفة البنات أو غرفتي قبل ما تخبط على الباب، وإذا قيل لك إنتظر شوية لا تفتح الباب وتدخل، وأمي كانت كل يوم ثلاثاء تجتمع مع سيدات العمارة في بيتنا وعندما كنت أجلس معهن تقول لي أمي عيب قٌم والعب في غرفتك إحنا حنتكلم كلام كبار، والحقيقة بعد خروجهن من البيت كنتُ أسئل أمي يعني إيه كلام كبار، فكانت تقول لي مبتسمة كلام لا يخص الصغار الحلوين زيك، وكنت أكتفي بهذه الإجابة، ولما وصلت للمرحلة الإعدادية إتسعت دائرة "العيب" وكأنها كائن يكبر كما أنا كبرت، فعيب أن تصعد السلالم وراء بنت أو سيدة بل أسرع أنت قبلهن، وعيب تكون راكب أتوبيس وإنتَ جالس وسيدة واقفة أو رجل كبير أو شيخ أو قسيس، وعيب تتكلم مع حد وترفع صوتك، وعيب تضحك وأمامك أحد زعلان، وعيب حد كبير يصعد السلالم في البيت ويحمل أشياء كثيرة ولا تساعده في حملها، وعيب تفوتك صلاة الفجر، وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية فهنا قد أصبحت مدرسة "العيب" عندنا بناءً ضخماً ومتعدد الطوابق والفصول، فعيب تبص من البلكون على حد من الجيران، وعيب تطلع البلكون بالفانلة الداخلية، وعيب تتأخر خارج البيت بعد الساعة 9 مساءً، وعيب تأكل وإنتَ ماشي في الشارع، وعيب تجلس واضع رجل على رجل وفي الجلسة كبير أو سيدة، وعيب وعيب وعيب، وكبرت وحصلت بفضل الله على أعلى الشهادات العلمية في الدنيا، وتذكرت مقولة أمي "من يحصل على أعلى الشهادات العلمية من الجامعات ولا يحصل على شهادة "العيب" من البيت، فهو لم يحصل على شيء يهذبه أذن فهو جاهل"، فشهادة العيب كانت في نفسي هي أهم ما حصلت عليه بل وتفوقت فيها، وعرفت أن العيب يبني الأخلاق، وأن آخر رسل الله محمد بن عبد الله ﷺ قالها "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، ولما رزقني الله بفضله بأولاد إجتهدت في نقل لهم أهم شهاداتي، وأعتقد أنني قد نجحت بعض الشيء، وأعترف أن أمي كانت أكثر قناعة عندي من قدرتي على إقناع
أولادي وهذا يؤكد إختلاف الأجيال في فهم الحياة، ولكن الغريب أن أحفادي لا ينظرون إلى العيب كما كانت نظرتي أنا ومن بعدي نظرة أبائهم للعيب، ومن أغرب الغرائب أن الأحفاد تنادي على كل من الأب والأم بأسمائهما، وليس بابا وماما فلا جيلي فعلها مع الأباء ولا أولادي فعلا هذا معي أو مع الأم، ولكن الأحفاد تفعلها فهل سيأتي زمان وتختفي مدرسة العيب من البيوت بل أزيد وأقول من كل الحياة، ولن نرى لمدرسة العيب وجود، فهنا أطلب من الله ألا أكون في الحياة موجود، وأعتقد أن ذلك سيكون هو أكبر عيب يرتكب في حق هذه الحياة.
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق