الأربعاء، 17 يونيو 2026

ثقوب في جدار الصمت ....بقلم الشاعرة فاطمة الزهراء طهري


 ثقوبٌ في جدارِ الصمت


أُخبِّئُ صوتي خلفَ جدارِ الصمتِ

كي لا يرى الناسُ ارتجافَ الحنين،

وكي لا يسمعوا انكسارَ الأمنياتِ

حين تسقطُ من علوِّ السنين.


لكنَّ للصمتِ ثقوبًا لا تُحصى،

تتسرّبُ منها الذكرياتُ

كالماءِ من بينِ أصابعِ الغريق،

ويخرجُ منها وجهُ أمّي،

وصوتُ أبي،

وأسماءُ الذين مضوا

ولم يتركوا سوى الطريق.


في كلِّ ثقبٍ حكايةٌ منسية،

وفي كلِّ حكايةٍ وطنٌ صغير،

وطفلةٌ كانت تجمعُ الشمسَ

من حقولِ القمحِ

وتظنُّ أنَّ العمرَ قصيدةٌ

لا تعرفُ التأويلَ الأخير.


ثقوبٌ في جدارِ الصمتِ

لكنَّها ليست عيوبًا،

إنها نوافذُ الروحِ

حين تضيقُ بها الجدران،

ومنافذُ القلبِ

حين يضيقُ به المكان.


منها خرجتْ دمعةٌ

كانت تختبئُ منذ أعوام،

ومنها عبرتْ ضحكةٌ شاردةٌ

نجتْ من ركامِ الآلام،

ومنها مرَّ طيفُ الذين أحببتُهم

فامتلأ الليلُ بالسلام.


أيُّها الصمتُ،

كم ظننتَ نفسك حصنًا منيعًا،

وكم ظننتُك نهايةَ الكلام،

لكنَّ ثقبًا صغيرًا في جدارك

كان يكفي

ليدخلَ الضوءُ

وتنهزمَ كلُّ الظلام.


فلا تبنوا حولَ قلوبكم جدرانًا عالية،

فالريحُ تعرفُ منافذَها،

والشوقُ يحفرُ طريقَهُ إليها،

والحبُّ لا يعترفُ بالحدود.


إنَّ القلوبَ التي تصمتُ طويلًا

لا تموتُ،

بل تنتظرُ ثقبًا صغيرًا

تعبرُ منهُ الحياةُ من جديد.

ثقوبٌ في جدارِ الصمت


في جدارِ الصمتِ ثقوبٌ كثيرةْ

لا يراها العابرونَ على الرصيفْ،

لكنَّها تنزفُ في الليلِ الطويلِ

كجُرحِ أمٍّ أرهقَتْها 

ألفُ خيبةٍ وألفُ خوفْ.


في جدارِ الصمتِ نافذةٌ صغيرةْ

كلما أغلقتُها هبَّ الحنينُ،

وأطلَّ وجهٌ غابَ عن عينيَّ دهرًا

ثمَّ عادَ مع السنينِ.


في جدارِ الصمتِ أسرابُ الحكايا

تستغيثُ ولا تُقالْ،

ورسائلٌ مطويّةٌ في القلبِ

أكلَ الزمانُ حروفَها

وبقيَ السؤالْ.


كم وقفتُ أمامَهُ متردّدًا

أرنو إليهِ ولا أُحطّمُهُ،

أخشى الحقيقةَ حين تخرجُ عاريةً

وأخشى الوهمَ إن أبقيتُهُ.


لكنَّ ثقبًا واحدًا

كان يكفي كي يمرَّ الضوءُ،

كي أرى أنَّ الظلامَ

ليس سيّدَ هذا الكونِ كلِّهِ،

وأنَّ خلفَ الصمتِ نهرًا من كلامْ.


فكسرتُ جدارَ خوفي،

وتركتُ للروحِ اعترافَها الأخيرْ،

واكتشفتُ أنَّ القلوبَ التي تبوحُ

لا تموتُ من التعبِ،

بل تُزهرُ مثلَ سنابلِ المطرِ الغزيرْ.


فإن رأيتَ جدارَ صمتٍ حولَ إنسانٍ

فلا تظنَّهُ حجرًا أصمّْ،

ففي الجدارِ ثقوبٌ لا تُرى،

ومن خلالها

يصرخُ القلبُ... دونَ صوتٍ أو ندمْ.


بقلمي فاطمة الزهراء طهري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إني رجعت إليك معتذرا ....بقلم الشاعر د.بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

 ** إني رجعت إليك معتذرا ** من نغمات البسيط ** يَا الشَامُ… يَا فِتنَةً تَمشِي عَلَى مَهَلٍ وَفِي خُطَاهَا يَثُورُ الحُب ، وَيَكتَمِلُ يَا م...