"من مذكرات أستاذ جامعي"
"الحب والحياة والإنسانية"
في الستينات من القرن الماضي حدثت قصة حب تستحق التسجيل، فهناك فتاة من إحدى قرى مصر، عاشت يتيمة بعد فقد الأب وظلت الأم تشقى بلا كلل حتى توفر لأولادها القدر اليسير من الحياة، وكانت هي الأكبر لأربعة أخوه وأخوات لم تستطيع الأم أن تُعلمها بعد الحصول على شهادة الإعدادية، وكانت هذه الفتاة تتمتع بالذكاء ولما أجادت الكتابة والقراءة، طلبت منها الأم الإكتفاء بذلك ومعاونتها في تربية الاخوه فقد تعبت وحدها، فكانت تربي مع الأم الدواجن وتجمع البيض وتحلب الجاموسة الثروة الوحيدة عندهم، وحملت عن الأم عبأ الذهاب إلى السوق لبيعهم، ومع كل هذا الشقاء خرج مارد من داخلها هذا المارد إسمه الحب، وللأسف هو لا يعرف فرقاً ولا له رأي في حب الأغنياء ولا حب الفقراء، فإذا بها تحب هذا لماذا لا إجابة ورغم أنه إبن كبير من أكابر القرية، وتعددت النظرات بينهما بحياء بنت القرية وظل يومياً ينتظرها ليراها من بعيد وهي في طريقها للسوق لتبيع ما تحمله، ومرة إقترب منها هذا الشاب فأسرعت وقلبها يدق هل خوفاً أم خجلاً، لم تجهد نفسها للإجابة على هذا السؤال، وتكرر منه الإقتراب منها بحشمة أبناء الريف حتى وعدها بالزواج، هنا بنت الريف تشعر بالإطمئنان عندما ينطق من تحبه برغبة الزواج منها، وأخبرته بحالها فقال أنني أعرف عنكِ كل شيء عرفته من أختي التي كانت معكِ في المدرسة، وتعددت الحوارات بينهما يومياً تقريباً حتى جاء لها يوماً وأخبرها بحزن أن أبوه رفضها لعدم وجود أهلاً لها تليق بالنسب معهم، وصُدمت خصوصاً عندما أخبرها قول أبوه له في يدي من سوف ترضى أن يضع أبوك ذو الحسب والنسب يده عند زواجك بها، وقالت له أنا أخبرتك بكل شيء والأن أرجوك إبتعد عني وأبحث لك على من تليق بكم، وظلت تبكي مرة حظها ومرة على حبها وسمعت في الراديو المغفور له بإذن الله الرئيس جمال عبد الناصر يخطب مرة ويقول المصريين كلهم أهلي، فأمسكت ورق وبقلم رصاص وبخط يحتاج لمجهود لقراءته وكتبت للرئيس جمال عبد الناصر كل حكايتها بصدق بنت لا تعرف غيره، وتمر الأيام ويصل لها رداً من رئاسة الجمهورية بأن خطابك قد عُرض على السيد الرئيس جمال عبد الناصر وأهتم سيادته بالأمر، وأيام أخرى يدق على بابها الوالد ذو الحسب والنسب ويخبر الأم أنه جاء ليطلب يد إبنتها إلى إبنه وسعدت الأم رغم أنها تعلم الفارق، ولكن ماذا حدث حتى يتوج هذا الحب المستحيل بين بنت عادية وعريس من أبناء الأكابر، حدث أن المحافظ قد كُلف من المغفور له بإذن جمال عبد الناصر الذي قرأ رسالة هذه الفتاة، وأخبره أن يرسل إلى عمدة القرية ليخبره أن يذهب إلى أبو العريس ويقول له أترضى أن تضع يدك في يدى ولي عروسة إبنك وهذا الولي هو الرئيس جمال عبد الناصر، والذي سوف يعقد القران هو شيخ الأزهر "وكأن البنت هي إبنة رئيس الجمهورية"، وأرسلت رئاسة الجمهورية ثوب الزفاف وجهاز لبيت العروسة تتمناه أي فتاة، وحضر الرئيس جمال عبد الناصر إلى القرية ومعه شيخ الأزهر وأصطحب العروس كأي أب وذهب إلى بيت العريس وعُقد القِران، وأخبره العريس أنها إبنته فأحسن لها وأنتصر الحب، "الصورة للعروس وأبوها الرئيس جمال عبد الناصر وشيخ الأزهر عند عقد القران"، لما علمت هذا كان إصراري أن أضمها إلى مذكراتي، حتى أرجع إليها كلما واجهت مستحيلاً.
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق