الجمعة، 15 مايو 2026

الخرساء...بقلم الكاتب صالح الكندي

 الخرساء 

قصة قصيرة ..


كانت أيلينا قد بلغت السادسة عشرة، زهرةً في ربيعها الأجمل، بعينين خضراوين كمرج نديّ وشَعرٍ أشقر كخيوط الذهب عند المغيب. تسكن مع والديها في مزرعة هادئة جنوب باريس، هم وهي فقط، كأنهم خلقوا ليكونوا وحدهم في هذا العالم الكبير.

ذات مساءٍ، وقفت أيلينا خلف نافذتها ترنو إلى مزرعة الجيران، حيث سوزان تمتطي حصاناً أشقر ذا ذيل طويل يتراقص في الهواء كراية نصر . جذبتها الفروسية من أول نظرة،واشتعل في قلبها حلم كان نائماً ... أن تمتطي جوادًا، أن تطير فوق الأرض كما تفعل سوزان .

وفي اليوم التالي، حدث ما لم تكن تظنه ممكنًا:عبرت أيلينا إلى السياج الفاصل بين المزرعتين وتحدثت إلى سوزان عن حبها للخيول.رحّبت بها سوزان بوُدٌ بالغ ، ووعدتها أن تعلّمها ركوب الخيل بنفسها . لم تسع الفرحة قلب أيلينا حين أخبرت والديها، فوافقا على الزيارة دون تردد .

وفي صباح الغد، بدأت الحكاية التي لم تكن تعلم أنها ستبدّل حياتها كلها. استقبلها والد سوزان بابتسامة طيبة، وقدم لها التعليمات الأولى حول الفروسية. كانت أيلينا تصغي بكل حواسها، وكأنها تكتب على صفحة بيضاء ما كانت تحلم به منذ سنوات. وتقدّمت، يوماً بعد يوم، في تعلّم الركوب، حتى جاء اليوم الذي سقطت فيه.

كان السقوط مدويًّا، كأنه صاعقة . ارتطم رأسها بالأرض ، وتوقّف كل شيء . نُقلت إلى المستشفى بسرعة، لكن المفاجأة الكبرى كانت حين استيقظت، ولم يخرج من فمها صوت... أيلينا خَرِساء!

خيّم الحزن على بيتها، وأحزن الأمر جيرانهم أيضاً. أمضت أربعة أيام في المستشفى، ثم عادت الى البيت تحمل ألم الرأس ، وصمتاً غريباً لم تعرفه من قبل .

لكنّها لم تستسلم . كانت تقف خلف نافذتها ، تتابع سوزان ورفاق الخيول، تحدث نفسها بصمت، وتحلم. وحين رأت والديها حزنَها الدفين، قررا أن يمنحاها فرساً بها،

فاستشارا والد سوزان، واشتروا لها حصاناً نادراً باهض الثمن، يحمل دماءً أصلية.

فرحت أيلينا به كما لو عاد لها الصوت،  وربما أكثر. بدأت بالتدريب كل يوم، بكل حب وإصرار، لا تفارق فرسها إلا لتنام. ذات ليلة، بينما كانت تحدق من نافذتها، رأت رجلين بتسللان إلى مزرعة الجيران . هرعت لإبلاغ والديها بالإشارة والصراخ المكتوم، ففهموا ما تقصد. حمل والدها سلاحه، واتصل بالجيران، ثم بالشرطة. أُلقي القبض على اللصوص، وسُجّل لأيلينا أول انتصار بصمتها.

بعد أسابيع ، عادت إلى التدريب وطلبت من والد سوزان أن ترافقها ابنته. وافق بحذ، فإيلينا سبق أن عرفت السقوط لكنها هذه المرة كانت تُحلق لا تمتطي فقط. وشيئاً فشيئاً، بدأت شهرتها تكبر في بلدتها، ثم طُلب منها أن تشارك في سباق رسمي للفروسية. تدربت،  فازت، وكتبت الصحف عن المعجزة: فتاة خرساء تفوز على فرسان مُدرَّبين !

غير أن هذه الشهرة أثارت حقد البعض. وأحيكت المؤامرات.

قبل أسبوع من مشاركتها في بطولة دولية، خطط بعض الحاقدين لخطفها، وفي ليلةٍ حالكة، تسلل رجلان إلى بيتها كانت مستلقية على سريرها، تتصفح مجلات الفروسية.

وفجأة، اقتحموا غرفتها، وحاولوا تقييدها. لم تحتاج إلى تكميم، فهي لا تتكلم...أو هكذا ظنّوا.

في خضم الصراع، ارتطم رأسها بزاوية الخزانة...وأحسّت بألم لم تعرفة منذ شهور. وفجأة، انفجرت الصرخة من فمها: 

أبي! ساعدني!

صرخة وحيدة أيقضت كل البيت... بل أيقضت صوتها من موتٍ دام عاماً كاملاً ، هرع والدها ، هرب المجرمون، وقبضت عليهم الشرطة لاحقاً.

ومن تلك الليلة ، بدأت أيلينا رحلة جديدة. استعادت صوتها ، واستعادت الحياة بكامل ألوانها. وشاركت في السباق الدولي ، وفازت به ... وصار اسمها يُذكر في فرنسا كلها: الفتاة التي نطقت حين خافت على حلمها.

أحياناً، تأتي المعجزات في صورة كابوس. لكن المهم أن نستيقظ منه ، وننطق بالحلم.


      صالح الكندي 

من مجموعتي القصصية 

أسوار الظلام 2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

النفور ...بقلم الكاتب سالم المشني

 النفور...... لقد همس لي عقلي أن أُسرع للعزلة فما كنت لأطاوعه رغم أن ألصداع تمكن بي وآلمتني الوخزات مما عايشته في أيام لم أكن معزولا بها ......