السبت، 6 ديسمبر 2025

كنت سأعود ....بقلم الكاتب أحمد انعنيعة

 كنت سأعود 


كان القطار يشق طريقه ببطء عبر مناظر طبيعية جميلية وأنا أغفو في نعومة انزلاقاته بين هضاب جبال الاطلس بين سهول سايس وسهول الغرب .. كل الصور لا زالت تتجول في سراديب ذاكرتي بإصرار بين براعم كل ربيع وفواكه خريفه .. وكلما تباطأ القطار (retard)كنت أشكو من حرارة الكراسي الحديدية تحت أردافي صيفا وأصبر على ذلك بردا .. إنه قطار من الدرجة الرابعة .. كان يظل أو يبيت جامدا في مكانه الواحد ليشرد بي التفكير في قطارات أخرى جديدة لكنها تُصدر نفس الأزيز .. وأحيانا أخرى ، كنت أجلس لأرتشف كأس شاي حار جدا برشفات صغيرة كأني في خيمة يغزوها الضجيج  عندما يصبح السفر طويلا .. كانت نفحات الدخان تخنق رئتي .. فأحس أنني ميت لا محالة صحبة أصدقاء لا أعرف عنهم شيئًا .. كم صحنا وغنينا وناضلنا جميعنا ضد هذا الظلام الأسود الدامس من أجل الكرامة والحياة الشريفة .. مزقنا كل غطرسة وفي الأخير استسلمنا أمام  الزمن والقوة والعنف والحاجة .. لكننا وبكبرياء ونفس هادئة ، كانوا يسمحون لنا بالنوم وأجسادنا مستلقية تحت ريح شرقية تعكر صفو مستقبلنا ، ننتظر القطار لساعات ..

وبعد كل عياء ، ينطلق القطار .. لتسبح بين أيدينا القرى في الاتجاه المعاكس وهي تحمل في أعماقها روائح الجديان التي كانت تتسلق جدران الأطلس  وتأوي خرفان الغرب التي تجري في حافات الوديان .. سبو وورغة وبهت .. إنها قرى تشعرني بحلاوة فاكهة التين ومرارة فاكهة الزيتون والعنب .. 

كل شيء كان يبدو جميلا عندما كان القطار يفقد أنفاسه الأخيرة ، وهو يلهث بين مدينتي مشرع بلقصيري وفاس .. حق كان يدوس على أحلامي بين سككه الحديدية هنا وهناك لسنوات طوال .. 

في كل هذه الفترة ، كنت أزرع أرض المدرجات العلمية في جامعة محمد بن عبد الله بكلية العلوم علني أنجو من جهل غطى كل شيء تحت قبة السماء .. كنت أجمع بين خشونة الأدوات القديمة والكلمات القاسية التي تبتلع أحزاني .. إذ ، كانت الوعود تُحرك أحلامي وأنا أبحث رفقة العديد من أصدقائي عن آمال عالية وبعيون رمادية سوداء  لا تفضح هويتي ..

وكم كنت أفخرا  بحياتي .. وأنا أبحث عن عائلتي لأُهديها نجاحي .. أفتح الباب ، وأتسمر في آخر جدار كانت فيه طفولتي ، لألتقط فتات نظراتهم بابتسامة جميلة تبعد عني سخرية الأعداء .. كنت أسلم عليهم بصوت هادئ ومحترم تغلب عليه الفرحة .. لا أريد منهم أن يرونني كتلميذ أو  طالب ينتظر التفاتة وإنما بطلا شهما في صحراء فقر طال أمدها .. لم أكن أحلم بأرض أخدمها عبدا .. أو بيدقا مطيعا على رقعة شطرنج  أو متفرجا صامتا في مكان لا يرقى إلى غرفة معيشية .. بل كنت أرغب في أن أكون حليفا لهم على قساوة الزمن ، وأن يكون لصوتي صدى يسير الى جانب منارتهم  وألا أتأخر عنهم بخطوات .. كنت أحلم برقصة أمامهم تروح عن أنفسهم ، لا انحناءة مذلة تزيد من ألمهم .. لم أكن أريد منهم نظرة مشتركة تخدم قلوبهم فحسب وإنما أريد كتابة قصيدة بصوت يستجيب لرغبتهم لتتشابك الأيدي وتلتحم القلوب  . 

إنه صمتٌ قلوب منهكة صمدت لعقود من الزمن ولم تعد تنبض ، لكنها لا تزال تتنفس .. إنها قلوب  حية أرادت أن تعيش لحلم مُؤجل نحتته رياح الزمن الجافة ..  لم يعد القطار ينتظرني .. ولم أعد أنتظر تلك الدموع العنيفة التي كانت تتدفق في طقوسٍ قاسية ، وتفسح في جفني الذابلتين مجالا كبيرا للنسيان .. ومع ذلك ، ووسط كل هذا الحزنِ المُنهك ، تبقى كرامةٌ البقاء صامدة رغم غياب كل شيء ..


أحمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا و سهلا ...بقلم الشاعرة د.عبيرالصلاحي

 أهلا...وسهلا...؟ حين بوح...تلعثمت حروفي .تاهت أبجديتها حتى لكأنني طفل صغير لا يعي اللغة سوى ولا يملك منها سوى  همهمات مبهمة القصد كلما طرقت...