حلم الربيع
كانت نوافذ مبنى تطل على نهر متلألئ يعبر سهلا خصيبا .. السماء المغطاة بالغيوم السوداء تنذر بأن عاصفة رهيبة ستضرب نوافذ الغرفة هذا المساء .. الرياح تهب بقوة .. ومياه الوادي التي تحتدم ، تتشبث بحجر الجرانيت على شاطئ الميناء الصغير .. كان الماء عند المصب يتسرب من خلال كوة ضيقة ليبتلع بعض الصخور الصغيرة وكأنها تريد أن تجرف إليها المنزل بأكمله .. وفي هذا اللقاء الطبيعي ، كانت روح الطبيعة كلها تتجسد في تحويل لون مياه النهر من طينية إلى خضراء إلى زرقاء حين تعانق مياه النهر شقيقاتها من مياه البحر .. وكانت أشعة الشمس عند الغروب تغمر المكان من وقت لآخر ومن كل الجهات بهالة سحرية حمراء تنعش أسراب طيور البحر المهاجرة ..
كل الصور التي كنت أحتفي بها كانت تحاصر ذاكرتي المفقودة تحت ضوء مصابيح تفوح برسائل سمفونية ملونة ثمينة .. كنت أسعى جاهداً لساعات طوال إلى فك رموز هذا العرض الجميل الغامض بانعطافاته المجازية التي كانت ترسل ومضات تظهر ألف سعادة مدفونة في ذكريات غير مؤكدة .. ذكريات أطفال كانوا يركضون في الهواء الطلق .. تأملات شهية وحدود مسروقة .. ومحادثات فلسفية .. ومغامرات ميتافيزيقية .. وبرد النسيان .. كان المكان يوحي بمشروع كتابة جميل .. إنه سرد جميل فيه قيمة للكلمات وفرصة للمعنى في التجلي عن طريق الصدفة .. لكن صمت المستحيل جعلني أثرثر ألف مرة .. في لحظات كنت أتذكر قصصي الغريبة وفي أخرى ، كنت أرحب بكل أبياتي الشعرية وكلماتي السحرية .. إنها لحظات علم ومعرفة عظيمين بفلسفتهما العميقة ورؤيتهما للحياة .. وهي تناشد يوميا قلما حنينا يطرز المحبة والموسيقى والشعر ..
وعندما هدأت العاصفة بعد منتصف الليل ، أسقط الليل معطفه الناعم على غابته المرتعشة التي تشابكت بفعل الرياح .. رأيت أن أنزل بهو المقهى .. لا أحد .. المكان هادئ .. ففضلت المشي على ألواح الطحالب بالقرب من بحيرة المصب لأستنشق عشب الندى الرطب وأنا مبهور بجمالية المكان .. تائه ، أدفع أشعة القمر عن طريقي لترقص اليراعات .. وتضيء الحشرات خطواتي وأنا أتعثر في وحل الطريق أمامي .. كان الكل يرحب بي .. الضوء يغرق انعكاسه في موجات النهر المرتعشة .. والضباب اللطيف يخفق في النباتات الغارقة .. وأكاليل الجبل تنفث رائحة مسكرة تفرك كتفي في مزيج من الآهات ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق