♠ ♠ القصة القصير ♠ ♠ ♠ ♠
♠ ♠ ♠الجيران في سابق الزمان♠ ♠ ♠
♠ ♠ هناك علاقات خاصة جداً كانت تربط الجيران في مصر حتى سبعينيات القرن الماضي، فكان يسود المثل القائل "الجار قبل الدار"، ولا أعرف العبقري صاحب هذا المثل، ولكن قصتنا تترجم هذا المثل العبقري بشكل منقطع النظير، ففي ثلاثينيات القرن الماضى شيد أحد اليهود الذي يعمل بصياغة الذهب وله محل كبير في شارع فرنسا في الأسكندرية، شيد بيتاً من ثلاثة طوابق في حي باكوس وفي كل دور شقتين وأسفل البيت زرع حديقة صغيرة فكأن البيت هذا هو فيلا، سكن هو في الدور الأول لعدم قدرته على الصعود ومعه زوجته وإبنته التي كانت مخطوبة فحجز لها الشقة المقابله له لزواجها، وتزوجت فيما بعد من مسيو شيمون مدرس اللغة الفرنسية في الفرنسيسكان، وفي الطابق الثاني سكنت عائلتين أحدهما مسلمة والأخرى مسيحية، وفي الطابق الثالث أيضاً عائلتين أحدهما مسلمة والعائلة الأخرى مسيحية، إلى هذا الحد يعتبر الأمر طبيعياً حيث كان هذا الخليط هو المعتاد في المجتمع المصري، ولكن الغريب في هذا الخليط أنه إمتزج مع بعضه بسرعة أدهشتهم، وصارت العلاقات بينهم تجعلك تحسب أنهم أقرباء أو أصحاب ملةً واحدة، إلا أن نجمة داود في صدر ساره وريتا، والصليب الذهبي في صدر ماري وجوليا، والمصحف الذهبي على صدر فاطمة وزينب، هو فقط ما سوف يميز ملة كل منهن غير ذلك تحسبهم أهل "وهم فعلاً أهل"، فكلهم يعبدون رباً واحداً البعض يعبده على ملة موسى والبعض يعبده على ملة عيسى والبعض يعبده على ملة محمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وفي رمضان يصوم البيت كله المسلمين والمسيحين واليهود "ولو ظاهراً"، ولكن الكل يراعي مشاعر بعضه بعض، والإفطار يكون كل يوم في حديقة البيت حيث تعد كل شقة أشهى طعام، ويجلس الجميع للإفطار الكل يأكل من الطعام الذي أعده غيره، وقبل عيد الفطر تتجمع نساء البيت في الحديقة ومعهن الصاجات لعمل الكحك، وكل منهن معها منقاش من الصاج لنقش الكحك، وبعد رص الصاجات يحملهم الأولاد إلى الفرن الموجود على ناصية الشارع، والمذهل أن الفران كان يكتب على كل صاج إسم صاحبه بالطباشير الأبيض وعلى صاجاتهم كان يكتب "بطرس"، وعندما تأتي الأولاد بالكحك كانوا يرشون عليه السكر ويوضع في صواني ويوزع على الشقق، وفي عيد الأضحى توضع خرفان المسلمين المضحي بها أسفل البيت في الحديقة ويرعاها الكل حتى تُذبح في العيد، ودائماً كانت ساره اليهودية تحجز" الليه" لأنها تطبخ بها خصوصاً الملوخية، وأبداً لم يختلفون مرة، ويوزع اللحم على كل من يتجمع من الفقراء وكذلك على الشقق السته، هذا في أعياد المسلمين والمسيحين واليهود فهم جميعاً معاً يفعلون، وفي "حد الزعف" تمتلىء الحديقة بهذا الزعف، وكان مسيو شيمون مدرس اللغة الفرنسية وكذلك استاذ عبد الغفار استاذ اللغة العربية الساكن في الدور الثاني يجمعان الأولاد كل أسبوع لمساعدتهم في دروسهم، ظلت هكذا الحياة حتى قامت إسرائيل في 15 مايو عام 1948، فظن الجيران في الشارع أنه قد حان وقت القطيعة بينهم، إلا أن العائلتان اليهوديتان قد أجمعا على أن إسرائيل ليست يهودية بل هي صهيونية، وقامت حرب فلسطين وحدثت النكبه فكان موقفهم كما كل المصريين، وذهبوا للمستشفيات وتطوع بعضهم لخدمة الجرحى، وقامت الثورة وكما كل المصريين العائلتان اليهوديتان فرحا كذلك، حتى يوم تأميم قناة السويس إحتفلوا مع المصريين في ميدان المنشية، وهتفوا لجمال عبد الناصر، وحدث العدوان الثلاثي وصدر قرار بطرد اليهود من مصر، وأجتموا في الحديقة ليعلن يعقوب أفندي صاحب البيت أنه قرر بيع البيت لهم جميعاً، وسأل كل واحد كم معك وسجل البيع للجميع، الذين قرروا ألا يسكن أحد مكانهما فلعل الظروف تتغير ويعودون، وهكذا أفسدت إسرائيل العلاقات الإنسانية بين الأحباء، وكان يوم وداعهم أسود يوم عاشه كل السكان، فعندما قبلت ساره اليهودية وهي تبكي جيرانها لم تستطع الخروج من البيت، ولم تتحملها قدماها فوقعت على الأرض، وعندما تجمع الكل حولها كانت قد فارقت الحياة لتدفن في الأسكندرية التي أحبتها وعاشت فيها عمرها وأبى جسدها أن يدفن في خارجها.
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق