قصّةُ رحلةٍ ..فتعالَوا نرتحلْ معـا٠٠
_ ما الّذي أنتَ فاعلُه ، وقد عقَدْتَ العزْمَ على الخُروجِ منَ البَيتِ ، بعدَ طُلوعِ الفجْرِ ؟
_ أنتَ تَنْزَعُ عنْكَ الآنَ ثِقَلَ اللّيلِ ، ووَطْأةَ سَوادِهِ ، وتَتثاءبُ من راحَةٍ رافقَتْكَ ، وأنتَ غافٍ ، كنتَ تستسلمُ فيها لِطَرافَةِ حُلْمٍ ، ووَهْمِ آمالٍ .!
وها أنتَ تَرتدي ثَوْبَ الرِّياضةِ ، وتنطلقُ مع إطلالةِ الشَّمسِ ، إلى حيثُ تَنْبَسطُ الأرضُ حدائقَ وبساتينَ ! وها هيَ اسْتفاقتْ بِخُضْرتِها ، ونسائمِها وعصافيرِها !.
_عن يَمينِ خُطُواتِكَ ، امْتدَّتِ السَّاقيةُ ، وعلى حوافِّها تهدَّلتِ الأغصانُ أغصانُ الصَّفْصافِ والحَوْرِ ، وعلى نَغَماتِها نمَتْ شجَرَاتُ التّينِ والزَّيتونِ والرُّمّانِ . وعن يسارِكَ ، اشتبَكَتِ الدَّوالي بأشْكالِها ، وتَغاوتْ مُمتَدَّةً بعناقيدِها المُلَوَّنةِ ! إنّكَ ترى نفسَك ،الآنَ ، مُحاطًا بنَعيمِ الثَّمَر ِ والفَواكهِ ، وبهَمَساتِ النّسائمِ ،ونَغَماتِ العصافيرِ! وتلكُمُ هنَّ صُوَيْحِباتُ دربِكَ أيْنما تَوجَّهتَ ،وأنَّى أَتيْتَ ٠٠
_ صباحُ الخَيْرٍ ! تحيةٌ تَرميها على كثيرينَ ، مِن أصحابٍ ومعارفَ كانَ منهُم مَن سبقَك إلى بستانِه ، ومنهم مَنْ أفاقَ مِنْ عرزالِه ، وراحَ يتفقَّدُ أو يعملُ قبلَ أنْ تَدْهَمَه أشعَّةُ الشّمسِ ، فلا يَعودُ يَقوى على العملِ ، كما يَبغي ويُريدُ ! ومع التّحيّاتِ ، تنهالُ عليكَ الدّعَواتُ أنْ" حَوِّلْ " ! وتتقاذفُكَ الرَّغَباتُ في أن" تَبُلَّ ريقَكَ " بحبّةٍ من تينٍ ؛ ولكَ أن تختارَ منْها البيضاءَ أوِ الحمراءَ ! ويا لَهُ من طعْمٍ سُكَّرٍ زُلالٍ ، زادَه طيبًا برودةٌ مُنْعشةٌ لمَّها الغُصُن منْ تَلابيبِ الفجْرِ!
_ وكيفَ تَصْنعُ مع عُنقودِ عِنَبٍ ؟ ها هوَ تدَلَّى كسَكْبِ البِلَّوْرِ ، أَملَسَ ، ناعمًا تَعانقَتْ حبَّاتُه بعجَبِ ائْتِلافٍ ! وها أنتَ تَنتَظِرُ من يَدعوكَ لِقَطْفِهِ ، فإذا الأصحابُ نِيَامٌ ! وتَروحُ شِفاهُكَ تَتلَمَّظ بِلُعابِها ! فلا تَرى نفسَكَ إلّا مُتَسَلِّقًا سُلَّمًا انْتَصَبَ تحْت العريشةِ ، وبِدونِ دِرايةٍ أو حِمايةٍ مِنْ أَحَدٍ ، تأتي به مَخْفورًا مُعافَى ليُسَلِّيَكَ في الطَّريقِ !
_ وهذا النَّاهدُ المُدَوَّرُ ، متى انْفَلَقَتْ كُراتُه ، وبَانَتْ حبَّاتُه مُتَزاحِمَةً باتِّساقٍ تامٍّ ! ما الّذي يُثيرُه فيكَ ، وأنتَ تَراهُ يُناديكَ ، ويَكادُ يَستعْطفُكَ ؟؟. مَرَّةً أخرى يَتحرَّكُ لُعابُك ! وتتقلَّصُ شَفَتاك أو تتَمدَّدُ ، وفي الحَالَيْن تُبقي الكُوزَ على راحتِهِ ، وتُحسُّ بِشبَعٍ ما شاركَ فيه غيرُ التّينِ والعِنَبِ ،تارِكًا الرُّمَّانَ لِلُقيا ثانيَة ٍ، ليسَ بِبعيدٍ التِئامُها !
_ وتكون الشَّمس قد أضْحَت ، واشْتَعَلَت الأرجاء بأَضوائها ، لتَجعل كلّ ما فيها يتحرَّك ، وتُصبح أنت في طريق العَوْدةِ بعدَ أن امتلآت عافية ! وهي عافيةٌ بدَتْ مِنْ أَثر نسَماتٍ مُنعشاتٍ ، كما بدَتْ من طعْمِ حبَّاتٍ طيّباتٍ ! ولا تَقِلُّ في لَطافتِها رؤيةُ الطَّبيعةِ ، وهي تَستَنيرُ ، ولا إشراقةُ الشّمسِ وهي تَستفيقُ ! وتكونُ أنتَ سائرًا مغتبطًا ، لا يُنافسُكَ في ما أنتَ فيهِ سوى عصفورُ التِّينِ ، وبعضُ الصّيّادينَ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق