قيودٌ من داخل
اكسر القيد، ليس لأن الألم لم يكن حقيقيا، بل لأنك أنت أيضا حقيقي، و أكبر و أجدر بما ينتظر
ثمّة سجونٌ لا تُرى جدرانها، ولا يُسمع صرير أبوابها، ولا يعرف أحدٌ بوجودها ، إلا من يقبع خلف قضبانها. هي ليست من حديد، ولا من حجر، بل هي من شيءٍ أصلب وأمضى: من ذاكرةٍ جُرحت يوماً، فقرّرت أن تتحوّل إلى جدار.
يبنيها الإنسان بنفسه، طوبةً فوق طوبة، في لحظات الألم الكبير. يبنيها وهو يظنّ أنّه يحمي نفسه، وهو محقٌّ في البداية ، فالجرح يستدعي ضمادة، والروح المكلومة تستحقّ أن تلتقط أنفاسها خلف سياج. لكنّ الخطر ليس في بناء الجدار، بل في نسيان أنّنا نحن من بناه، فنُصبح نظنّه من طبيعة الأشياء، ونقسم أنّ الدنيا هكذا، وأنّ السماء لا تتّسع إلا بمقدار ما تُريه تلك الكوّة الضيّقة.
يكبر الخوف القديم في الظلام. يأكل من صمتنا، ويشرب من ترددنا. ويمتلك موهبة شيطانية في إقناعنا بأنّ كل فرصة جديدة هي وجهٌ آخر للخطر القديم ذاته ، أن كل باب مفتوح يُشبه ذلك الباب الذي خذلنا يوماً منه، وأن كل يدٍ ممدودة هي ذاتها اليد التي أفلتت منّا في وقت كنّا أشدّ ما نكون بحاجةً إليها.
لكنّ الحقيقة التي يُخفيها الخوف، والتي تظلّ جاثمةً في أعماق الروح كبذرة لا تموت، هي أنّ الظروف تتبدّل، وأنّ الزمن لا يُعيد نفسه بالضبط، وأنّ الإنسان الذي كان ضعيفاً أمام جرح الأمس ليس هو الإنسان ذاته اليوم ، فقد مرّ بما مرّ، وتعلّم ما تعلّم، وصار في روحه من الأثر ما يجعله أقدر مما يظن.
الفرص لا تطرق الباب بصخب، ولا تأتي مُعلَنة بالأضواء. تأتي هادئةً كفجر يبزغ بهدوء، كنسمة خافتة تتسلل، لكنّها تأتي. وهي لا تتوقف عن المجيء حتى حين نُدير لها ظهورنا، إلا أنّها تمرّ بسرعة اللحظة، وتمضي إلى من فتح نافذته ليستقبل ذاك الفجر، وتلك النسمة، وذاك الهواء.
والمأساة ليست أن تغيب الفرصة، بل أن تحضر وأنت لا ترى إلا ظلّ الخوف مُلقىً فوقها، فتُخطئها لأنّ عينيك معتادتان على رؤية الخطر حيثما نظرتا.
كسر القيد لا يبدأ بفعلٍ خارجي، بل بلحظة صدق داخلية ،تلك اللحظة التي تقف فيها أمام نفسك وتقول بهدوء الواثق: ما آلمني كان حقيقياً، لكنّه كان هناك، في ذلك الزمان، مع تلك الظروف. أمّا اليوم، فأنا هنا. وهنا تختلف القواعد.
العالم على حقيقته أوسع بكثير مما تُريه لك الجروح القديمة. فيه من الضوء ما يكفي، ومن الأمان ما يكفي، ومن الإنسان الطيّب ما يكفي ، شرط أن تتخلّى عن النظّارة التي صنعها الألم، وأن تجرؤ على أن ترى بعينيك أنت، لا بذاكرة من لم يعد موجوداً.
اكسر قيدك الداخلي.
أبو سلمى
مصطفى حدادي .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق