ليس في هذا العالم شيءٌ أجمل ولا أشرف ولا أنقى ولا أعذب من إنسانية المرء تجاه أخيه الإنسان ؛ وأن يبذل قصارى جهده لإرضاء أخيه ، مدفوعاً في ذلك فحسب بضميرٍ حيٍ ينبضُ حباً وإنسانيةً وسلاماً لكل إنسانٍ أينما وُجد في أرجاء المعمورة . لقد خلقنا اللهُ من بين أسمى الكائنات وجوداً ، ونحن لجديرون بأن نرقى إلى مستوى تلك المنزلة الرفيعة ؛ فتلك هي الأهمية التي أكرمنا بها الخالق : كوننا أسمى ما خلق اللهُ في هذا العالم .
لكن ، وللأسف الشديد ، في العالم عامة وفي الوطن العربي خاصة أصبحنا نعيش في زمن ميزان العدل فيه مقلوب ، والخداع والنفاق فيه مطلوب ، لكن الامانة والصدق والضمير فيه مغلوب .
فقد قلبت الموازين واضمحلت كل القيم والقوانين وضاعت الحقيقة والمبادئ بين المخادعين والحثالة من المزيفين والمغشوشين الذين يلبسون مئات الأقنعة للوصول إلى قمم المناصب العليا ويتمركزون في ساحات الإدارات الحكومية ليصلوا إلى عرش كرسيهم ومبتغاهم الخبيث ، أما الصدق والامانة والضمير ، فقد اضمحلوا في هذا الواقع المرير وباتوا عملة نادرة لا ترى بالعين المجردة .
إن قيمة الانسان النقي بيعت في سوق النخاسة بثمن بغيض ، اما المخادع والخائن والكاذب أصبحت كفة مويزانهم ثقيلة وثمنها اغلى .. يزيد علوا في السماء . ولكن إلى اي سماء سيعتلي؟ إن هناك رب السماء القدير لجليل الحاكم العادل .. فلا أحد ممن تحكم الميزان في عدالتهم ان يغدو بأمان في طريق الغدر والحقد والشر دون أن يدفع حسابا مريرا ؟
خلقت فطرة الإنسان بأصل سليم ، ليحافظ عليها الإنسان السوي العادل من التلوث ومن الزمن الرذيل لتمكنه مِن أن يسمو بروحه وقلبه فوق صراعات البشر لعالم روحاني أسمى ، وليبتعد عن صراعات لا تنتهي .. ولا تقف إلا بموقف يهز الإنسان ليقف ويستذكر ويتعلم مما أصابه ويلملم جروح روحه لما أصابها من فقد الإنسانية وهرولة وطمع بشر .
نعم تغير كل شي في هذا الزمن اللقيط وتبدلت المفاهيم وانعكست فيها القيم والمبادئ بشكل سلبي على البشرية .
الله خلق الدنيا بروحه النقية الطيبة لنعيش فيها بسلامٍ ومحبةٍ وأمان ، وليس بحروبٍ وكرهٍ وقتل وعنصرية وطائفية ، كما نعيشها الآن في معظم بلدان الوطن العربي .
قتلنا الإنسانية في إنسانيننا على يد اشباه البشر الجهلة المتغطرسين الطائفيين الذين يستخدمون الدين كذريعة لتبرير العنف وتدمير القيم الإنسانية . هؤلاء أشباه البشر هم من يستغلون النصوص الدينية لخدمة أجندات سياسية ، مما يؤدي إلى طمس الرحمة والإنسانية في مجتمعاتنا . هذا الموقف يعكس رفضاً مطلقاً لخلط العقيدة بالتطرف لقتل الأبرياء . وهؤلاء اشباه البشر ، سيحتاجون إلى قرون ليكونوا بشرا يعيشون بإنسانيّتهم ويقدرون قيمة أخيهم الإنسان .
من أجمل الجمل أتذكرها عند قراءاتي: "لا تستطيع أن تكون إنسانا بلا أخطاء لأنها غريزة البشر ، لكن عندما تخطئ .استغفر ، وتعلم من الخطأ ، ولا تكرره تلك هي قمة النضج والإيمان" ، لتكتمل إنسانيتك كإنسان بلا أخطاء .
يبقى الاصيل اصيلاً ... والمخلص وفياً .. حتى لو تغيرت قوانين الكون كله ، ولولا وجود الشرفاء المخلصين من البشر لماتت الاوطان وهتكت الأعراض واضمحلت البشرية من الوجود .
أحمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق