الاثنين، 19 يناير 2026

رواية بين الحبر و الروح ....بقلم الكاتبة هبة سمير


 ‏

‏مقدمه الروايا 

‏🌿 مقدّمة رواية بين الحبر والروح – جرّة قلم

‏ليس كلُّ ما يُكتب بالحبر يُمحى،

‏فهناك كلماتٌ وُلدت من نزف الروح قبل أن تلمس الورق.

‏وهذه الصفحات ليست مجرّد حكاية قلمٍ عاش عمره بين أصابع البشر،

‏بل شهادةُ ميلادٍ للروح كلّما لامست الحروف قلبًا يشتاق للحياة.

‏من غصنٍ تكسّر في صمت الغابة، وُلد القلم ليكون شاهدًا على أقدارٍ لم يخترها،

‏كتبَ للحبِّ والحرب، للصدقِ والكذب، للضياعِ والنجاة.

‏كان مرآة الإنسان — يرسم وجهه حين يبتسم، ويُخفي دمعه حين ينهار.

‏حتى جاء اليوم الذي لم يكتب فيه لأحد، بل كتب عن الجميع.

‏في هذه الرواية، ستسمع صوت القلم كما لم تسمعه من قبل،

‏وتشهد ذاكرته وهي تتقاطر بين الحبر والروح،

‏حيث تتحوّل الكلمة إلى مرآةٍ للإنسان…

‏وحيث الوداعُ لا يكون نهاية، بل بداية أخرى من جرّة قلم.


‏— صوت القلم .... 

‏أنا القلم. أعيش فوق طاولة، بين أصابع ناس كتيرة: محامٍ، أمّ، خطّاب، وزير، حبيبة، جندي، وصاحب مطبعة.

‏ما عندي جسد، لكن لي تاريخ؛ ما عندي قلب، لكن لي وزن. أنا أكتب وأقفل أبواب، أفتحها، أوقّع مصائر وأمسح آثار.

‏بجرّة مني يتبدّل العالم: بيت يباع، عهد يُنقض، وعد يُوفى، وحياة تُقلب. ولكل خطٍ مني أثر — أحيانًا شفاء، وأحيانًا سيف.

‏أنا لا أختار من سيكتب بيّ، ولا أختار الكلمات. لكن أتحمّل مسؤولية ما يُمكِن لأيِّ إنسان أن يتراجع عنه حين يُوضع حرف النهاية: التوقيع.

‏تعالوا أروي لكم حكاياتٍ مرّت بيّ، عن لحظاتٍ كانت فيها جرّة قلمٍ واحدة كافية لتكتب نهاية أو بداية.

‏اقرأوا، وفكّروا: من يملك القوة حين نضع النقطة؟ القلم أم اليد التي تمسكه؟

‏إهداء

‏إلى كل من كُسِرَت حياته بجرّة قلم، ولم يُسمع صوته.

‏إلى الذين كتبوا بصدقٍ، ودُينوا بالنية لا بالفعل.

‏---

‏الفصل الأول — صوت القلم... 

‏مش انا المتهم الحقيقي.. 

‏أنا القلم.

‏ولدتُ من معدن ورغبة، وحُفرت روحي في أنبوبٍ رفيعٍ يحمل الحبر مثل دمٍ سائل.

‏لم أرَ نور بدايةً كما يرى الناس؛ رأيتُ أصابعًا تتعاقب فوقي، ووجوهًا تمرّ كطوابعٍ على صفحةٍ واحدة.

‏أُمسك في يد أحدهم، فأكون وعدًا؛ أُسلم إلى آخر فأصير حكمًا.

‏لستُ جسدًا، لكني أفرض حضوري على الخلود.

‏لستُ قلبًا، لكني أكتب القلوب وأقطع أوصالها.

‏في كل يدٍ قصةٌ، وفي كل توقيعٍ مصير.

‏تعالوا واسمعوا: ليس في خلقي غضاضة أن أكتب، لكن العيب يكمن في اليد التي تختار ماذا تكتب بيّ.

‏كم مرةً وضعوني لأخفي حقًّا وأعلن باطلاً؟ كم مرةً جفّ حبر في داخلي وأنا أفكر أنّي مُؤذٍ، فيما الأذي هو فعل من أمسك بيّ؟

‏أذكر مكتبًا ضيّقًا لا يدخل الشمس — رائحة المستندات فيه تشبه رائحة العجوزات.

‏في يده توقيعٌ بلا حيرة، في جيبه نقودٌ تفوق دمعةً، وعلى وجهٍ لا يَعرف الحياء.

‏وقعتُ، ولم أمتص الندم لأنني آلة؛ ووقعتْ حياةٌ بعدها في صوتٍ واحد من الحطام.

‏وهناك، في مدرسة أخرى، كان طفلٌ ينوء بحلمٍ، كل ما يفصله عن السماء صفحاتٌ وعددٌ صغير من الدرجات. أمسَكتُ بيده وهو يكتب رقمًا أخيرًا، ولم يحالفه الحظ؛ ورفضتْ مصائرُه أن تُكتب بعطف.

‏ولم تكن كل أيادي البشر شريرة. دفعتني يد بكرٍ إلى أن أرسم فراشة على ورقةٍ ليختبئ خلفها قلب فتاةٍ منطوية.

‏مسحتُ دمعةً بحبرٍ اشتعلت فيه ألوانٌ صامتة، فشعرتُ للمرة الأولى أن جرّة مني قد تكون دواءً.

‏كنتُ كذلك في يد قاضٍ، ترتعش عند هامش حكمٍ مصيري، فأشعر أن الكلمة قد تقتل إن لم تكتُب بعدل.

‏كنتُ في يد أمٍّ تكتب اسم ابنٍ ضاع في طرقات الحرب، وفي يد سجينٍ يفتكّر سنينَ، وفي يد كاتبٍ ينتصر للحبّ في كل سطرٍ آخر.

‏أقنعتُ نفسي أنني شاهدٌ لا أكثر. لكن الشاهد أيضًا يحمل ذاكرة. وذاكرتي ملأى بالحبر: أسماءٌ، تواريخٌ، ووجوهٌ تلتصق في جسدي المعدني كندوب.

‏أحيانًا أحسد الورقة التي تُكتب عليها؛ تُمسح وتُرمى، وتولد منها ألفُ بدايةٍ جديدة. وأحيانًا أخاف أن أكون أدواتٍ تُلصق بعنفٍ على صدور البشر، فتختنق الحكاية قبل أن تكبر.

‏وفي لحظةٍ ما — لا أدري متى بالضبط — صار الحبر في داخلي يهتف. لا أريد أن أكون أداةً تُدان.

‏أريد أن يحملني التاريخ كما أحمل الكلمات: شاهدًا على البشر لا تابعًا لذنوبهم.

‏هذا صوتي الآن، أفتتح به رحلتي بين الأيادي: سأحكي ما مررت به، لأن الحكايات التي لا تُروى، تولد أشباحًا بدلًا من دروس.

‏اقرأوا فصولي، ولا تنسوا أن تنظروا إلى اليد قبل أن تحكموا على الحبر.

‏لأني — رغم كل البقع — ما زلت أحتفظ بخيطٍ صغير من أمل، أن تكتب بي يدٌ تختار الرحمة.

‏كنتُ آخر ما تبقّى من روحه.

‏هو الكاتب الذي أحبّ الكلمة حتى ظنّ أنها قلبه النابض، وكان يراني أكثر من حبرٍ ومعدن؛ كان يراني رفيق الخلق.

‏يوم عيد ميلادها، لفّني بورقٍ ذهبيٍ ناعم، ووضعني في صندوقٍ صغير كأنه يضع قلبه فيه.

‏حين مدّ إليَها الهدية، ابتسم بعينٍ يملؤها رجاء:

‏> "أتمنى القلم ده يغيّر حياتك، زي ما غيّر حيوات ناس كتير قبلك. الخير والشر بيتكتبوا بجرّة واحدة... لكن القلب هو اللي بيختار."

‏كانت تضحك بخفة، خفة جارحة كريحٍ تمرّ على رماد.

‏فتحت الصندوق، نظرت لي، ثم قالت ببرودٍ متعالي:

‏> "قلم؟ في عيد ميلادي؟ كنت أفضّل خاتم."

‏ثم تركتني في الدرج، كما يُترك السرّ في قبرٍ منسيّ.

‏نسيتني، ونسيت قلبه الذي كان معي.

‏مرت الأيام، وتبدّل كل شيء.

‏الضحك اختفى، والهواء في بيتها صار ثقيلاً.

‏وفي يومٍ أسود من الأيام، مات حبيبها — في حادثٍ لم يفهمه أحد.

‏وحين عادت تبكي بين جدران غرفتها، مدت يدها المرتعشة وفتحت الدرج.

‏وجدتني هناك… نائمًا على الغبار.

‏مسكتني كما يُمسك غريقٌ خشبة نجاته، وبدأت تكتب رسالة وداع.

‏لكنني لم أكن مطيعًا هذه المرة.

‏انسكب الحبر مني، لكن ليس بما أرادت.

‏كانت تريد أن تكتب: "لماذا رحلت؟"

‏لكن كلماتي خرجت وحدها:

‏> "أنا لم أرحل… أنتم من كتبتم الرحيل بيديّ."

‏ارتجفت، ظنّت أن الجنون أصابها.

‏لكنني واصلت الكتابة دون إذنها، كأن الكلمات خرجت من روحي، لا من أصابعها.

‏> "أنا القلم الذي غيّر مصائر الناس، كتبتُ الحب والخذلان، الميلاد والموت، بغير إرادتي. كنتُ أصرخ في صمتي، أرجو الرحمة من الأيدي التي تستعملني، لكن لا أحد يسمع الحديد حين يبكي. أنا لستُ المذنب، بل الأيدي التي خطّت بيّ أحكامها، أنا الضحية… ضحية الإنسان الذي لا يعرف ماذا تعني جرّة قلم."

‏وحين انتهيت من الكلام، سقطت دموعها على الورقة، امتزجت بحبري، فصار السطر الأخير غامضًا، كأنه وعد جديد لم يولد بعد.

‏ومنذ تلك الليلة، لم تعد تكتب بيّ كلمة إلا وهي ترتجف… لأنها أدركت أن بعض الأقلام تحمل أرواحًا لا تموت.

#هبه سمير

يتبع.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صباح الأمل ....بقلم الشاعر مصطفى احمد يحيى الهواري

 صباحُ الأمل صباحٌ يُنادي بالضياءِ وبالأمـلْ ويزرعُ في الأرواحِ أفراحَ المُقَلْ فيا ربِّ بارك في صباحاتِنا التي تُداوي قلوبًا أثقلَ الحزنُ م...