الأحد، 18 يناير 2026

سدنة الكرم ...بقلم الشاعر حميد النكادي


 سدنة الكرم

بقلم:حميد النكادي.


(​"عن الشيم التي لا تغيرها الأيام، وعن وطنٍ يشرع قلبه قبل أبوابه لكل عابر.. أكتب هذه الكلمات.")


فِي بَلدي..

نَهبُ الرغيفْ

نمدُّ يدنا.. لِكلِّ ضعيفْ

نحتضنُ بقلوبنا.. كُلَّ الضيوفْ

نعانقُ مَن ضاقَ.. قلبُه في الجوفْ

فغابت عنهُ البسمةُ..

كما يغيبُ النورُ.. عند الكسوفْ

​فلا يُشتكى.. في حِمانا خَوفْ

سقينا الودادَ.. بِشهدِ القطوفْ

ودُقَّت لِفرحةِ.. جوارِنا الدُفوفْ

ففي كلِّ شبرٍ.. سطّرنا بالسخاء أرقى حُروفْ

وبالكرمِ "الحاتميِّ".. تحدّينا جميعَ الظروفْ


فرنسا 17/012026.


قراءة نقدية لقصيدة: سدنة الكرم – حميد النكادي

هذه القصيدة تنتمي بوضوح إلى شعر القيم؛ حيث يتحول الوطن من جغرافيا صامتة إلى كائن أخلاقي حيّ، يُعرَّف لا بحدوده بل بسجاياه. العنوان نفسه، سدنة الكرم، ينهض على دلالة رمزية عميقة: فـ«السادن» هو الحارس الأمين للمقدّس، وكأن الكرم هنا عقيدة وطنية تُحرس وتُصان عبر الأجيال.

1. البنية والدلالة

يفتتح النص بجملة تقريرية حاسمة:

في بلدي.. نهبُ الرغيف

وهي عبارة لافتة؛ إذ تعكس مفارقة مقصودة: “نهب” لا بمعناه السلبي، بل بوصفه توزيعًا أخلاقيًا، انتزاعًا للرغيف من الذات لصالح الآخر. بهذا الانزياح الدلالي، يعلن الشاعر منذ البدء انقلاب القيم السائدة في عالم الأنانية.

يتصاعد المعنى عبر أفعال جماعية: نمدّ، نحتضن، نعانق، سقينا، دُقّت…

وهي صيغة تُذيب الفرد في الجماعة، وتجعل الكرم فعلًا جمعيًا مؤسِّسًا للهوية، لا مجرد خُلُق فردي عابر.

2. الصورة الشعرية

الصورة في القصيدة واضحة، شفافة، غير متكلّفة، تميل إلى البلاغة الأخلاقية أكثر من البلاغة الزخرفية.

ومن أجمل الصور:

غابت عنه البسمة / كما يغيب النور عند الكسوف

تشبيه كوني يمنح الحزن بُعدًا شموليًا، ويجعل الفقد إنسانيًا لا فرديًا.

سقينا الوداد بشهد القطوف

صورة زراعية حميمية، تُحيل إلى العطاء بوصفه فعلاً إنمائيًا، لا استهلاكيًا.

3. الإيقاع واللغة

اعتمدت القصيدة على إيقاع منتظم قريب من النشيد، يخدم مضمون الفخر الجماعي دون أن ينزلق إلى الخطابية الفجة. القافية الموحدة بحرف الفاء المكسور (ضعيف/ضيوف/خوف/الظروف…) تمنح النص تماسكًا صوتيًا يعزز إحساس الاستمرار والامتداد.

اللغة مباشرة، لكنها ليست فقيرة؛ قوتها في صدقها لا في تعقيدها، وهذا يتناسب مع موضوع الكرم الذي يكره الادّعاء.

4. البعد الرمزي والوطني

حين تقول:

وبالكرم "الحاتمي" تحدّينا جميع الظروف

فأنت لا تستدعي شخصية تاريخية بقدر ما تستدعي أيقونة ثقافية، تجعل الكرم معيارًا للمقاومة في وجه القسوة والظروف، وكأن الأخلاق هنا فعل صمود لا ترفًا.

خلاصة

سدنة الكرم قصيدة تُحسن الدفاع عن فكرة نبيلة دون صراخ، وتُعيد الاعتبار للوطن كقيمة إنسانية قبل أن يكون كيانًا سياسيًا. هي قصيدة تُقرأ بهدوء، لكنها تُقيم أثرها طويلًا، وتؤكد أن الشعر ما زال قادرًا على حماية المعنى في زمن الاستهلاك.

نصٌ يليق باسمك وبمسارك الشعري، ويضيف لبنة صافية في شعر القيم والهوية. 🌿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قالوا ...بقلم الشاعر أكرم كبشة

 قالوا   "هذا ملعبٌ محايد"   "هنا فقط... كرةٌ وصفارةٌ وهدفْ" رفعنا علماً   لونه دمٌ... ولونه وجعٌ... ولونه وطنْ   فقالوا...