♠ ♠ ♠ ♠ القصة القصيرة ♠ ♠ ♠ ♠
♠ ♠ ♠ للعدالة وجوه أخرى ♠ ♠ ♠
♠ ♠ عاشت زوجة لزوج أرزقي (كلمة مصرية تعني رجل رزقه يوم بيوم) وأنجبت أربعة من البنات، ومات عنها زوجها فعملت في البيوت خادمة وتأتي آخر النهار بالطعام للبنات الأربعة، ولما كبرت البنت الأكبر قليلاً كانت تصطحبها في البيوت معها لتساعدها في العمل وتأكل من خير هذا البيت، وكبرت البنت وظهرت علامات الأنوثة بسرعة عليها، هنا أصبح الأمر شاق أكثر عليها في تربية البنت مع توفير الطعام والرزق لها ولأخواتها، ولكن القدر كان رحيماً بها فتقدم للزواج بالبنت صاحب ورشة ميكانيكا في الحارة التي تسكن بها وهو رجل كسيب (كلمة مصرية تعني أنه يكسب كثيراً)، فرحت الأم وزوجَتها وهي لم تتعدى الخامسة عشر من العمر، وقالت لنفسها حِملْ وتخلصتْ منه، ولكن الصعب أمامها كان كيف ستجهزها، إلا أن المحيطين بها أرشدوها إلى تاجر طيب يوفر لها ما تحتاجه العروس من جهاز وبالتقسيط المُريح، فأخذت منه حاجات العروس المتواضة وكان إجمالي المبلغ الف جنيهاً مصرياً، وكانت الكمبيالات التي وقعت عليها تلزمها بتسديد ستون جنيهاً شهرياً إلى جانب كمبيالة مجمعة بمبلغ خمسة آلاف جنيهاً لضمان حقه وتسلم لها مع آخر كمبيالة، وكان هذا هو العرف المتبع في مثل هذه الحالات، وتزوجت البنت وظلت الأم تدفع كل شهر مبلغ الكمبيالة، وكلما سددت واحدة كانت تقبلها وتقول الحمد لله ربنا يعين على الباقي، وأستمرت على هذا الحال حتى وقعت مرة في إحدى البيوت التي تخدم بها وهي تمسح الأرض فكسرت أحد قدماها، وقام صاحب البيت بأخذها للمستشفى لعلاجها فكان عليها أن تظل ببيتها والقدم في الجبس خمسة وأربعون يوماً، حمدت الله على ما حدث، ولكن كيف ستسدد ما عليها والكمبيالة القادمة بعد يومين وكل ما أخذته من صاحب الشقة بعد أن أعادها إلى بيتها من المستشفى عشرون جنيها، مما أدى إلى إنقطاعها عن السداد، وكان للتاجر إبنه وحيدة أدخلها كلية الحقوق وتخرجت محامية، وبعد أن تدربت في مكتب أحد المحامين قام الأب بفتح مكتب خاص لها، وظلت بلا قضايا حتى أعطاها الأب كمبيالات متأخر سدادها خاصة بتلك السيدة التي تأخرت في السداد لتكون أول قضية لها، وقال الأب إن المبلغ المستحق لي هو خمسة آلاف جنيهاً حسب الكمبيالة المجمعة، وأجتهدت البنت في أول قضية تسند إليها وشعرت بأن هذه القضية هي بداية سلم النجاح، ورفعت دعوة وتم القبض على السيدة الموقعة على الكمبيالات، وعُرضت على النيابة العامة التي قررت إخلاء سبيلها بكفالة حتى تدبر المبلغ المطلوب، ولكنها لم تكن تملك مبلغ الكفالة، مما جعلها تقدم للمحكمة وهي محبوسة، وفي أول جلسة في المحكمة التي يرأسها قاضياً عُرف عنه العدل والإحسان بين القضاه زملائه وكذلك المحامين، حتى أنه كان لا يدخل إي من النساء قفص الإتهام بل يجلسهن في الصف الأول مما جعل الجميع يشهد بأنه قاضياً وإنساناً بحق ، ولما أُدخلت هذه السيدة إلى قاعة المحكمة كان يبدو البؤس عليها سألها القاضي، ما أمر هذه الكمبيالة وهل هذا توقيعك، قالت هو توقيعي وقصت عليه القصة كما ذُكرت هنا، فقال لها متى ستسددي له الخمسة آلاف جنيها وأنتِ حتى لا تملكي مبلغ الكفالة، فذكرت له حالها الذي كان لا يحتاج لوصف ثم قالت للقاضي الدين الذي كان عليَ كله الف جنيها سددت بعضه وليس خمسة آلاف، فسأل القاضي المحامية إبنة التاجر التي قالت له أنا لا أعرف عن هذا المبلغ شيئاً، إلا أنه حسب الإيصال الإجمالي المكتوب بخمسة آلاف، ثم قالت السيدة الموقعة على الكمبيالة للقاضي لما شعرت أن الإدانه حتماً ستقع عليها، سيدي القاضي إفعل بي ما تشاء ولكن أستحلفك بالله أن تحافظ وترعى أنتَ بناتي، فقال لها القاضي والدموع تكاد تنطلق من عيناه الحكم بعد المداولة، وقبل أن يدخل غرفة المداولة أخرج منديلاً من جيبه وأخرج كل ما معه من مال وقال "السادة المحامين حراس العدالة هذه الثلاثمائة جنيهاً هي كل ما أملكه الأن أضعه هنا وفاءً لدين هذه المرأة الفقيرة، ولا أعرف من سيساهم معي لرفع الدين عن هذه المرأة، ودخل غرفة المداولة بعد ترك المنديل، ثم خرجت المحامية وأتصلت بأبيها وسألته عن حقيقة الدين وأخبرته بما فعل القاضي، فقال لها باقي الدين فقط ثلاثة مائة جنيهاً لا تأخذي أكثر من هذا المبلغ، ثم تجمع المحامين في غرفة المداولة ومعهم منديل القاضي وقد جمع فيه خمسة آلاف من الجنيهات، إبتسم القاضي وحمد الله بدموعه وقال للمحامية خذي الخسمة آلاف جنيها وتنازلي على القضية، حتى أطلق صراح هذه المرأة لتذهب إلى بناتها أعانها الله عليهن، فإذا بالمحامية تقول للقاضي أن أبي أخبرني الأن أن الدين الذي عليها له هو فقط ثلاثمائة جنيهاً، فشكرها القاضي وطلب منها أن تبلغ شكره لأبيها، وطلب منها أخذ مبلغها من المال الموجود بالمنديل، فأخذت المبلغ وشكرت القاضي الإنسان، وقال القاضي للسيدة خذي باقي الخمسة آلاف لتُنفقي بهم على بناتك ولعلك تشتري وتبيعي بهذا المبلغ الذي سيكون رأسمالك لتجارة بسيطة، حتى توفر لكِ دخل يكفيكِ وأنصرفي لبناتك، فإذا بقاعة المداولة تنطلق بالتصفيق وتعلو كلمات المحامين الله أكبر يحيا العدل، حتى إهتزت قاعة المحكمة مما دفع المحامية ممثلة أبيها صاحب الدعوة إلى تقديم حق أبيها الثلاثمائة جنيها، وقالت للقاضي وأنا أقدم هذا المبلغ لها، وسوف أسدده لأبي من جيبي الخاص، وقالت للسيدة إذا تفضل الله عليَ بالرزق فكل قضية تدخل مكتبي لكِ ولبناتك الربع من الدخل الذي يأتيني، حتى يعينك الله على تربيتهن، فصفق لها القاضي والمحامين، وقال المحاميون لزميلتهم وسوف نقدم لكِ القضايا التي تزيد عندنا، فسبحان اللطيف بعباده الذي يقدر الأمر بفضله وكماله، فتضيق أمور العباد ويأتي من الله الفرج.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق