المرأة العازبة
تخرج كل ليل من البيت وتعد إليه صباحا ، كمن يخرج من موجة بحر تحمله بعيدًا ليغرق في دوامتها . كل ليلة تعيش لحظات داخل الزمن كجزيرة تحت رياح تجارة خاسرة ، وتجني ما جادت به واحة ضائعة في حضن كثبان رملية .
كانت واحدة منهم تقول وهي خارجة من بيتها : سأعود إليك يا بني ، باي باي ... وكانت أخرى تبحث عن ركن في ليلة ظلماء لتسكن فيه ، أو تخرج نهارا ليحتضنها جوف ظل شمس في سعادة وفي سلام .. وأخرى تختفي في أزياء مألوفة بوجه غارق في مساحيق الزينة .. تتحرك بخطوات راقصة كطائرٍ يدور حول نفسه بمرح ويصعد راقصا الى السماء .. تخرج لتدخل مراقص وكباريهات او منازل خاصة .. تدعوك لخطواتٍ متأنية ورشيقة معها ، أو تعزمك لمشاركتها كلاما طائشا وتعزف معها عزفا ثنائيا ذي شجون .. أو تختلط معها في الحديث عن أشياء لا تتشابه إلا في الموت .. تقترب منك فجأةً ، لتسمعك أفكارها .. لتغمرك إحساسا وأنت بها مفتون : إنها هبة من الله لمن يمرّ بضيق ، وسيلة للراحة لمن اكتسحه الهم ، وسيلة للإنعاش والانتعاش ، فيها كهرباء غريبة تسخن برودة الليل .. فيها أرواح حرة تذوب فورًا في ممارسة ملكة العهر .. نعم ، إنها فتاة جميلة ومقدامة .. تُقدّم نفسها قربانا ، وتتلاشى في لحظاتِ اليأس كما ظهرت لأول مرة وهي تدعوك إلى تعزية مُريحة .. حقا ، إنها تتفهمك إذا كنت في حيرة من أمرك ، تتفهمك إذا كنت منفيا ، وليس لك مخرجا في هذا العالم .. آنئذ تأتيك لتُكفّر عنك وأنت محبوس في دار الموتى ..
إن ما يحدث في هذا العالم ليس في حد ذاته ، إلا مجرد لحظة من اللحظات العابرة ، إنها حركات تدافع جسدي في اللحظة الواحدة ، واحساس يحاكي درجة النسيان .. لا تتراجع عن مهمتها في إعادتك إلى حضورك ، إلى ذاتك ، وذلك بتقديم نفسها قربانا يتنفس بين أحضانك ..
إنها حقا أوقات من الفحشاء والمنكر ، والرغبات الميتة ، والدوافع المستعارة ، والعواطف المتأججة التي لم تعد تنتمي إلينا ، لكنها تستخدمها لإشباع أنفاس الكائنات الحقيرة الأخرى ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق