إلى معلمتي عشتار ..
================= ذاك طريق أعرفه.سلكته منذ كنت تلميذاً صغيراً .. أحمل حقيبة كتبي ودفاتر وبضعة أقلام ..
كانت طرق متشعّبة ..تُخفي زواياها الحادّة والمنفرجة أشجار صنوبر ودلب وبلّوط..وبطاقة حب ودرجة سلوك جيد جدا. .ومستقبل وضحكات أطفال .. وشمس وأمنيات. وتفوّّق لجميع المواد ..
طريق كأنه .. ضفيرتي فتاة تزهو بشعرها اﻻشقر تحت بريق الشمس ..
وها أنذا أسير في نفس الطريق بعد أربعة عقود وثلاث زهرات..
فقد تحوّلت إلى طريق قاحلة..اختفت منها الأشجار .. وتراكمت الحجارة على طرفيها..وقد تعرّجت وتباعدت أكثر مما أعرفه..
- أتراني ضلّلت الطريق..أم تغيّرت ملامح الأشياء وقد أضحت أكثر بؤساً .. وإيلاماً..؟.!.
شيء ما يوجعني..وعَرَق يتصبّب..على رقبتي..ويسيل ...ويسيل أكثر .. يُغرق أحلامي..
- أتُراني ضلّلت الطريق..نحو أبواب مدينة طفولتي ومزرعة كانت تطلّ عليها..تُقرِؤها صباحات حب وفصول شتاءات وصيف..ﻷمد طويل ﻻأعرف بداية له.؟.!.
أطرق باباً ﻻ أعرفه..ﻻ أحد يردّ ...
أطرقه بإلحاح طفلٍ ..وعزيمةرجل فَقَدَ بوصلته..أدقّ...أدقّ..
- من أنت .. وكيف وصلت..وفي هذا الليل الموحش ..؟!.
أتابع طرق الباب الخشبيّ العتيق ... وقد تشقّقت عوارضه بفعل عوامل الزمن وأشياء اخرى ..
ثانيةً الصوت يأتي متهدّجاً عبر مسافات وقرون وسنوات قهرٍ وهموم . ..مَن انت..؟.
ألتفت...أدور حول نفسي ... ﻻ أجد إﻻ انا ..من أنت..؟ ..صوت ياتي من خلف الباب..يًخفيه ظلام..وخوف وزائر مجهول وعتمة ليل ...
أردّ ..أنا ..ﻻ أعرف من أنا ... !!. ربما حقيبة سفر..وربما كأس ماءٍ ..تعيدني الى رشدي..
يُفتح نصف الباب الخشبي..يطلّ رأس امرأة عجوز..أتعبتها سنوات العمر..تتفحّص ملامح وجهي ..والليل يُخفي الكثير ..
- تقول.. وكأنك ...! وأتذكر ذلك الصوت الحنون..وطباشير وأصابع ناعمة تكتب على السبورة ...أعربِ الجملة التالية : وقف التلميذ احتراماً لمعلمه ..
أبحث بين دفاتري عن ضمائر محبة. وكلمات تُفرحني .. أحسنت يا أحمد..
-هل أنت..؟...وأقول..نعم أنا. أردد .. عشتار.. معلمتي عشتار...أحتضنها..أقبّلُ يديّها..أشمّ رائحة الزنبق وعبق تاريخ وأدب..وخمس عقود من الزمن..
-إدخل يا أحمد..إدخل..
تقدّم لي كأس ماء....وضوء شاحب.. تمرّر يدها على شعري بحنانٍ عجيب فريد ..أرى فيها..ٱية حب...وثناءات..وكثير من الٱهات..ودموع..
وذكريات...وحسرات تمزّق جسداً يأبى إﻻّ ان يكون شجرة ريحان وظل زيزفونة ..وعطر قهوة وحبق نديّ.
كل عام وانتم بخير إخوتي أخواتي المعلمين.
كل عام وانتم بخير على الرغم من الظلم والقهر وسنوات عجاف.
بقلمي .
معاد حاج قاسم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق