الجمعة، 31 يوليو 2026

ازدهار الروح ...بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 قصةقصيرة : إزدهارالروح بعدالذبول  !!

علي سيف الرعيني 


كان يظن أن الحب طريق مستقيم  وأن القلب إذا صدق بلغ  لكنه اكتشف متأخرا أن بعض الطرق تُغلق قبل أن تطأها الأقدام  وأن بين العاشق ومحبوبه حواجز لا تُرى بالعين، لكنها أشد صلابة من الجبال 

أحبها كما يحب العطشان أول قطرة مطر بعد أعوام الجفاف  لم يكن في قلبه موضع لغيرها، وكانت تفاصيلها الصغيرة تملأ نهاره، بينما يسهر ليله يعد النجوم ويحدثها عنها. وكلما قرر أن يخطو خطوة نحوها، وجد بابا جديدا يُغلق في وجهه 

وقف الأهل كجدار شاهق لا يعرف كيف يتجاوزه. ثم جاءت ظروفه القاسية لتزيد الطريق وعورة جيب فارغ  وأيام مثقلة بالحاجة وأحلام يؤجلها الفقر كل صباح أما الناس من حوله، فلم يكونوا إلا أصواتا تزيد جراحه اتساعا، فمنهم من سخر من أحلامه، ومنهم من أقنعه أن الحب لا يسكن بيوت الفقراء 

ورغم ذلك، لم يتراجع 

كان يحاول في كل مرة أن يصنع من اليأس سلّما، ومن الانكسار بداية جديدة. لكنه كان كلما اقترب، ابتعدت المسافة أكثرحتى شعر أن الطريق يسير ضده، وأن الأقدار تخبئ له درسًا لم يفهمه بعد 

وحين أنهكه التعب جلس وحيدا يفاوض ذاكرته 

قال لها:

انسَيها فقد انتهى كل شيء

لكن الذاكرة ابتسمت بسخرية  وأعادت إليه صوتها وضحكتها، وأحلامه التي بناها معها 

حاول أن يدفنها في زحام الأيام لكنها كانت تزهر في قلبه كلما ظن أنه نسي. حاول أن يهرب إلى العمل، وإلى الصمت، وإلى السفر داخل نفسه، لكنه كان يحملها معه أينما ذهب 

فاكتشف الحقيقة المُرة 

لم يصل إلى محبوبه، ولم يمتلك القدرة على نسيانه 

وفي ليلةٍ أثقلها البكاء، لم يجد بابا يطرقه سوى باب الله 

رفع كفيه، لا ليطلب محبوبته  بل ليطلب قلبا لا يتكسر مع كل فقد وروحا تعرف كيف ترضى بما قسمه الله لها 

بكى طويلا لكن تلك الدموع كانت مختلفة لم تكن دموع العجز بل دموع العودة 

أفرغ بين يدي الله كل ما أثقل صدره، وكل ما عجز عن قوله للبشر، وكل الأحلام التي ماتت قبل أن تولد. أحس لأول مرة أن هناك من يسمعه دون أن يشرح، ويفهمه دون أن يتكلم، ويجبر كسره دون أن يسأله عن سبب انكساره 

ومنذ تلك الليلة، لم تتغير الدنيا من حوله كثيرًا، لكن الذي تغير كان قلبه 

صار يوقن أن بعض الأمنيات إن لم تتحقق، فلأن الله يدخر للعبد ما هو أصلح، وأن ما يُؤخذ من الإنسان قد يُعوَّض عنه بسكينة لا تشتريها الدنيا كلها 

عاد إلى حياته بقلب جديد  يزرع الخير حيث مر، ويعمل بإخلاص، ويبتسم بثقة، بعدما كانت الابتسامة عبئًا عليه 

ولم تعد السعادة عنده مرتبطة بوصوله إلى شخص، بل بقربه من الله 

فامتلأت أيامه بالتوفيق  وامتلأ قلبه بالرضا وأصبح يرى في كل تأخير حكمة، وفي كل حرمان رحمة، وفي كل انكسار بداية خفية لجبرٍ كريم.

وأدرك أخيرا أن أجمل الوصول ليس دائمًا إلى من أحببنا، بل إلى الله فإذا وصل القلب إليه، هانت كل الطرق، وسكنت كل اللواعج، وأزهرت الروح من جديد!!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسري المساء...بقلم الشاعر مصطفى أحمد يحيى الهواري

 يسرى المساء وفي القلوب سكينة ولليلِ جمعتِنا يطيبُ دعاؤها ليلةٌ إذا هبَّ النسيمُ تضوعت بالذكر حتى أزهرت أرجاؤها فيها الملائكُ تستجيبُ لداعها...