الجمعة، 12 يونيو 2026

صرخة الروح ...بقلم الشاعر حميد النكادي


 صرخة الروح..

بقلم:حميد النكادي...


(كثير من الناس يتألمون في صمت, وددت أن أكون صوتهم....')


طال الإنتظار 

يا لحرقة الإنتظار ...

حنين وشوق 

وصبر واصطبار ...

هل هو سوء حظ 

أم ما جرت به الأقدار ...

غصة في الفؤاد 

يا ليتها شفعت

 لي تلك الأيام 

وقُبِلت مني الأعذار ...

هبي يا نسائم الصبا 

اروي هذا القلب العليل... 

فلهيب الذكرى يلفح الصدر 

والعبرات من المقل تسيل ...

لو عٓلِم حالي لهرع إلي

 بجناحَيِّ الشوق يطير ...

ما ذنب من أغدق في الهوى؟ 

ما يملك المرء من 

فؤاده إلا مقدار قطمير ...

فكيف إذا الحب 

استقر في الأعماق 

هل ينفع فيه تنفير ؟

ليت الجوارح تنطق 

تحدثه بما  فعل بها الشوق 

وإلى أين صارت الأمور...

كل مساء حينما 

يلبس كل خل خليل 

أراقب القمر في علاه 

وحيد مثلي يمشي 

بين نجوم  الليل....

كم أشتهي حقائب السفر 

أمشي أبحث عن روحي 

بين الطرقات 

بين الشطآن والخلجان

وبين محطات الرحيل ...

فهلا أرشدتني أيها القمر 

أنت الذي تمشي بين النجوم 

اي طريق اسلك 

لتكف جوانحي عن العويل 


فرنسا 09/06/2026


قصيدة "صرخة الروح" من النصوص الوجدانية التي يطغى عليها الحنين والألم الإنساني العميق، وهي لا تتحدث عن تجربة فردية فحسب، بل تتحول إلى صوت جماعي لمن "يتألمون في صمت"، كما جاء في التقديم. وهذا يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الذات إلى فضاء أوسع من المشاركة الشعورية.

العنوان: "صرخة الروح"

العنوان موفق جدًا؛ فالصرخة تعني بلوغ الألم ذروته بعد طول كتمان، أما الروح فهي موطن الأحاسيس العميقة. وهكذا يدخل القارئ منذ البداية إلى عالم من المعاناة المكبوتة التي لم تعد تجد سبيلًا إلا بالبوح الشعري.

المدخل الشعوري

طال الانتظار

يا لحرقة الانتظار...

يفتتح الشاعر قصيدته بثنائية الانتظار والألم، وهي من أكثر الثيمات حضورًا في الشعر الوجداني. تكرار كلمة "الانتظار" يرسخ الإحساس بطول المعاناة، وكأن الزمن نفسه أصبح عبئًا ثقيلًا على الروح.

ثم يأتي التساؤل:

هل هو سوء حظ

أم ما جرت به الأقدار...

وهو سؤال وجودي يعكس حيرة الإنسان أمام ما يعجز عن تفسيره؛ هل ما يعيشه نتيجة ظروف عابرة أم قدر مكتوب لا مفر منه؟

الحنين واستدعاء الماضي

من أجمل المقاطع:

غصة في الفؤاد

يا ليتها شفعت

لي تلك الأيام

وقبلت مني الأعذار...

هنا يتحول الماضي إلى كائن حي قادر على الصفح أو العتاب، وهي صورة شعرية تمنح الذكريات روحًا وحضورًا إنسانيًا مؤثرًا.

الطبيعة كشريك في الألم

هبي يا نسائم الصبا

اروي هذا القلب العليل...

يلجأ الشاعر إلى الطبيعة طلبًا للعزاء. فالنسيم هنا ليس مجرد عنصر طبيعي، بل رسول رحمة وشفاء. وفي المقابل:

فلهيب الذكرى يلفح الصدر

تظهر الذكرى كالنار المحرقة، فتتشكل مقابلة جميلة بين النسيم الملطف واللهيب المؤلم.

الدفاع عن الحب

من أكثر الأبيات قوة:

ما ذنب من أغدق في الهوى؟

ما يملك المرء من فؤاده إلا مقدار قطمير...

هنا يطرح الشاعر رؤية إنسانية للحب بوصفه قوة لا تخضع لإرادة الإنسان الكاملة. واستخدام كلمة "قطمير" ذات الإيحاء القرآني يمنح المعنى عمقًا بلاغيًا ودلالة على ضآلة ما يملكه الإنسان أمام سلطان القلب.

ثم يتصاعد السؤال:

فكيف إذا الحب

استقر في الأعماق

هل ينفع فيه تنفير؟

وهو استفهام إنكاري يؤكد استحالة اقتلاع الحب عندما يتجذر في أعماق النفس.

صورة القمر والوحدة

من أجمل الصور في النص:

أراقب القمر في علاه

وحيد مثلي يمشي

بين نجوم الليل...

يشخص الشاعر القمر ويجعله رفيقًا لوحدته. وعلى الرغم من إحاطة النجوم به، فإنه يبدو وحيدًا، تمامًا كما قد يشعر الإنسان بالوحدة وسط الناس.

الرحلة الوجودية

كم أشتهي حقائب السفر

أمشي أبحث عن روحي...

السفر هنا ليس انتقالًا جغرافيًا، بل رحلة داخلية للبحث عن الذات المفقودة. لذلك تتسع الأمكنة:

بين الطرقات

بين الشطآن والخلجان

وبين محطات الرحيل...

فتتحول إلى رموز لمسيرة عمر طويلة من البحث والانتظار.

الخاتمة

تبلغ القصيدة ذروتها في مناجاة القمر:

فهلا أرشدتني أيها القمر

أنت الذي تمشي بين النجوم

أي طريق أسلك

لتكف جوانحي عن العويل

وهي خاتمة مفتوحة لا تقدم جوابًا، بل تترك القارئ مع السؤال ذاته، وكأن الألم ما زال مستمرًا، والبحث عن الطمأنينة لم ينته بعد.

أبرز مميزات النص

صدق عاطفي واضح بعيد عن التكلف.

لغة سلسة تجمع بين الفصحى الوجدانية والنبرة الإنسانية القريبة.

صور شعرية مؤثرة، خاصة صورة القمر والرحلة والنسيم.

تدرج شعوري متماسك من الانتظار إلى الحنين ثم إلى البحث الوجودي.

نجاح في تحويل تجربة خاصة إلى إحساس إنساني عام.

وقد لفتني بشكل خاص هذا الانتقال الجميل من "أراقب القمر في علاه وحيد مثلي" إلى "فهلا أرشدتني أيها القمر"؛ فالقمر يبدأ مرآةً لحالة الشاعر، ثم يتحول إلى دليلٍ روحي يُرجى منه الخلاص، وهو تطور فني يمنح خاتمة القصيدة عمقًا وتأثيرًا كبيرين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قناع الزمان ...بقلم الشاعر محمد بليق

 قناع الزمان _________________ كم يدوم التملّق؟ يوماً  ويسقط القناع للعيان   والتسلّط وهم يزول  إذا واجهه الحق للعيان   وليس البكاء على المن...