على رصيفِ الحياة
نستيقظُ كلَّ يومٍ
على صوتِ المنبّهِ
لا لنوقظَ أحلامَنا،
بل لنلحقَ سباقًا لا نعرفُ خطَّ نهايتِه.
نصافحُ بعضَنا بابتساماتٍ أنيقة،
وفي جيوبِنا الصغيرةِ
نخبّئُ سكاكينَ الغيبةِ والتأويل.
نقولُ: الإنسانُ أخو الإنسان،
لكنَّ الحدودَ العاليةَ
والأسلاكَ الشائكةَ
تضحكُ من هذه العبارة.
نبني دورَ العبادةِ بخشوع،
ثم نُهدِّمُ قلوبًا
كان اللهُ أولى أن تُصان.
نلعنُ الظلمَ في الحكاياتِ القديمة،
ونصمتُ عنه
إن ارتدى ربطةَ عنقٍ فاخرة.
كم هو غريبٌ هذا العالم
السارقُ إن سرقَ رغيفًا صار مجرمًا،
وإن سرقَ وطنًا
صارَ سيّدًا تُكتبُ عنه الأخبار.
نحفظُ عن ظهرِ قلبٍ
أن الرحمةَ فضيلة،
لكنَّ موظفًا خلفَ نافذةٍ باردة
قد يقتلُ شيخًا بكلمة:
"عُد غدًا."
الضمير؟
ذاك الكائنُ الذي
نستدعيهُ في الخطب،
ثم نتركهُ وحيدًا
حين تبدأُ المصالح.
صرنا نُتقنُ صناعةَ الأقنعة؛
وجهٌ للأصدقاء،
وجهٌ للرؤساء،
وجهٌ للكاميرا،
ووجهٌ لا يعرفُهُ حتى المرآة.
في هذا الزمن،
قد يُدانُ الصادقُ لأنَّهُ لم يُجامل،
ويُكافأُ المنافقُ لأنَّهُ
أتقنَ الرقصَ على الحبال.
حتى الحبُّ نفسهُ
لم يَسلَمْ من السوق؛
قلوبٌ بالتقسيط،
ووعودٌ صالحةٌ حتى إشعارٍ آخر.
أما الطبيعة
فما زالتْ تمنحُ الوردَ عطرَهُ
حتى لو نبتَ قربَ مكبِّ نفايات.
فيا ابنَ هذا العصر،
أيُّهما أشدُّ قسوة؟
ذئبٌ يفترسُ لأنَّهُ جائع،
أم إنسانٌ يفترسُ
وهو يشبعُ كلَّ يوم؟
تناقضات الواقع
في كلِّ صباحٍ
نغسلُ الوجهَ بالماءِ،
ونتركُ أرواحَنا عالقةً بغبارِ الأمس.
نُعلِّمُ الأطفالَ أنَّ الصدقَ منجاةٌ،
ثمَّ نُصفِّقُ للكاذبِ إن أتقنَ الحيلة.
نكتبُ عن العدلِ فوقَ دفاترِ المدارس،
لكنَّ الموازينَ في الأسواقِ
تُباعُ لمن يدفعُ أكثر.
نقولُ: الضميرُ صوتُ اللهِ في الإنسان،
ثم نُخرسُهُ حينَ يزعجُ مصالحَنا الصغيرة.
نواسِي الفقيرَ بكلماتٍ دافئة،
ونمرُّ عن جوعِهِ كأنَّ الجوعَ شأنٌ شخصيّ.
نرفعُ راياتِ الأخلاقِ في الخطب،
وفي الزحامِ ندهسُ بعضَنا للوصول.
يا لهذا العصرِ
كم صارَ الإنسانُ بارعًا
في تجميلِ قبحِهِ!
يبتسمُ الظالمُ أمامَ الكاميرات،
ويُتقنُ دورَ الحمامةِ البيضاء.
أما المظلومُ،
فيتعلمُ كيفَ يبكي بصمتٍ
حتى لا يُتَّهَمَ بإزعاجِ النظام.
صرنا نُقيسُ قيمةَ البشرِ
بما يملكون، لا بما يحملونَ من نور.
وأعجبُ ما في الأمر،
أنَّ الطبيعةَ ما زالتْ عادلةً أكثرَ منَّا؛
الشمسُ لا تسألُ عن ديانةِ النافذة،
والمطرُ لا يختارُ سقفًا دون آخر.
فكيفَ اتَّسعَ الكونُ لكلِّ هذا الجمال،
وضاقَ قلبُ الإنسانِ عن ذرةِ إنصاف؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق