"من مذكرات أستاذ جامعي"
"التعليم في زمن التربية والتعليم"
عندما كنت في مرحلة الروضة، كنت محظوظأً فمدرستي كانت جارتي في البيت الذي كنت أسكنه، وكانت تأخذني من أمي في الساعة السابعة صباحاً، ولما كانت مرحلة الروضة تنتهي قبل نهاية اليوم الدراسي بساعة، كانت تأتي لتأخذني وأنتظر معها في أخر حصة لها قبل جرس نهاية اليوم الدراسي، وكانت تُجلسني معها في الفصل التي تدرس فيه، فكنت أسمع كلام أكبر مني ومن سني، وأبلة عصمت وهذا إسمها، كانت شديد النظام وكانت معلمة بحق تحب مهنتها وتحب كل من يحب أن يتعلم وأنا كنت أنظر لها بأنها من كوكب أخر، فمنها تعلمت إحترام كل من مهنته التعليم، وعندما دخلت الجامعة كنتُ أنظر لهذا الشاب الذي يرتدي مثلي قميص على أنه من كوكب آخر حتى أصبح مُعيداً في الجامعة، أما ذلك الذي يرتدي البدلة فهو كان عندي كائن وإن كان بشر فهو من نسل آخر فهو دكتور يحمل درجة علمية رفيعة "الدكتوراه"، كان أملي فقط أن أصبح مثل هذا المُعيد، أما الدكتور فهو أمل أكبر من قُدرتي على التصور والتمني الذي يمكن أن يصل إليه عقلي، وكبرت والمعلم عندي قيمة وقامة، ومن فضل الله عليَ وهو صاحب كل فضل أن حملت شهادة الدكتوراة وكنت أعتقد أن هكذا هي نظرات الجميع للعلم وللمعلم، فالمدرسة كانت تحت إشراف وزارة تسمى وزارة التربية والتعليم وكان أكثر من يعمل بها لا ينظر لها كوظيفة بل هي رسالة تُشعر العامل بشرف القيام بها وكان شعارها "كاد المعلم أن يكون رسولاً"، لذلك كان نتاجها يحمل شهادة التربية مع التعليم، وتغير النظام مع الأيام وتقلص التعليم مع إنعدام التربية، وتحولت الوزارة، فهي الأن فقدت دور التربية وتحولت إلى وزارة للتعليم فقط وتترك التربية للبيت الذي غرقت أعمدته في دوامة الحياة وأصبح توفير الحياة الملائمة هو أقصى الأماني، ولأن درجة الدكتواراة أصبحت من مظاهر التميز فقد جاء على رأس هذه الوزارة الأن من يدعي حصوله على الدكتوراة، وتكتشف الحكومة كذبه ومع ذلك أبقت عليه على رأس واحدة من أهم الوزارات، وهنا ستسمع سؤال حتى من الصغار كيف ستؤدي هذه الوزارة دورها في التعليم ويرأسها أحد الكاذبين.
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق