على الشعر عشنا
لستُ بارعًا في الكثير من الأمور .. لا أعرف كيف أجني ثروة بالعمل الشاق .. ولا أعرف دائمًا كيف أتعامل مع الناس لأحافظ على اهتمامهم .. لكن هناك أشياء أعرفها جيدا .. أعرف كيف أصغي إلى حفيف الريح بين الأغصان .. أعرف كيف الاستماع بإمعان الى تغاريد الطيور كما أعرف لون السماء وتقلباتها .. وهذا ما لا يستطيع أحد أن ينتزعه مني .. وبينما آخرون يلهثون وراء المال، ألهث أنا وراء اللحظة الحاضرة ..
فالعيش على الشعر ليس بالأمر المعقد .. بل هو في الواقع أبسط الأمور على الإطلاق .. إن الشعر هو أن تدع أغنية تنتهي قبل أن تفكر في التالية .. هو أن تتأمل ظلّ النخلة الراقص .. الشعر هو اكتشاف أن للمطر إيقاعًا ، وللريح لغة ، وللصمت كلمات يخاطب بها من يجدون وقتًا طويلا للتأمل ..
وهو كذلك التقاط ورقة ذابلة واكتشاف أنها ما زالت حية .. وهو أيضا سلوك طريق طويل للعودة إلى المنزل تحت أشجار البلوط وأنت تقرأ كتابا لمؤلف مجهول يُريحك بعنوان غريب ..
السعر هو تلك الابتسامة أمام بريق زهرة عباد الشمس .. قد يرى الشعراء ما يغفل عنه الآخرون .. فإن لديهم موهبة ثمينة في جعل العالم مكانًا صالحًا للعيش باستعادة جماله الحقيقي علما أن الجمال هو تلك المقاومة التي تجعل من السخرية أناقةً ومن خيبة الأمل هوايةً .. وقد يحسب فعل اختيار الشعر هو بحق فعل العصيان .. إن الشعر هو الحفاظ على ذلك الصوت الخافت في أعماقنا الذي يهمس : ما زالت هناك أشياء تستحق العيش من أجلها .. فالطيور التي تنقر على حواف النوافذ تستحق العيش من أجلها .. والأيدي التي تمتد لتلتقي تحت الطاولة تستحق العيش من أجلها .. والأمسيات التي تُضفي بريقًا على نوافذ الحافلة تستحق أن تُعاش .. كل شيء يستحق أن يُعاش ، لمن يعرف كيف يرى ..
لمن يطلب إذنا للكتابة .. والغنِاء .. والرقص .. والرسم .. حقا الشعر هو طول النظر .. والاستماع .. والمداعبة ..
فابتكر أسبابًا لنفسك ..
ابتكر فصولًا لنفسك ..
ابتكر أغانٍ لنفسك ..
إن للحياة حكايا لا يكتبها إلا الشعر ..
وانظر إلى الكهوف ..
انظر إلى الكتب على الرفوف ..
انظر الى كل ما يقاوم النسيان .. إن الشعر قد كتب على الحجر ،
ونقش على البرونز ،
نحث على نغمات الموسيقى ، ورسم على الورق .
وغدًا صباحًا ، انظر لون سحابة ، انظر لون شجرة ، وسحنة وجه ..
لترى كيف سيُجيبك العالم ..
أحمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق