"من مذكرات أستاذ جامعي"
"الترقي في الحياة"
لن أنسى فرحتي عندما إنتقلت من الروضة (Kg) إلى سنة أولى من المرحلة الإبتدائية، عندما لبست لأول مرة البنطلون الطويل، ففي مرحلة الروضة كنا نلبس البنطلون القصير (كما الشورت)، سعادتي ظلت معي ولا تنافسها إلا سعادتي عندما إنتقلت من السنة السادسة إلى سنة أولى إعدادي من المرحلة الإعدادية، وزادت الفرحة عندي عندما إنتقلت من سنة ثالثة إعدادي إلى السنة الأولى ثانوي من المرحلة الثانوية، وأصبحت الفرحة بلون قاتم عندما إنتقلت من السنة الثالثة ثانوي إلى السنة الأولى من المرحلة الجامعية، بعدها لم أشعر بالفرحة الحقيقية عندما تخرجت من الجامعة، أو عندما تم تعيني للعمل أو عندما تقاضيت أول راتب من عملي، أو عندما حصلت على درجة الماجستير أو عندما حصلت على درجة الدكتوراة، أو عندما تم ترقيتي إلى أستاذ مساعد أو حتى عندما تم ترقيتي إلى أستاذ دكتور، راجعت مذكراتي لكي أبحث عن تلك السعادة المفقودة، فأنا أتذكر بعد حصولي على الدكتوراة أنني ذهبت إلى قبر أمي وأبي لأقول لهما إستريحا الأن فبفضل الله إخوتي البنتان والولد تزوجوا وعندهم بنين وبنات، وأنا بقدرة الله أصبحت دكتوراً كما كنتما تُريدان لي، وإن كنت دكتوراُ جامعياً وليس طبيباً بسماعة، والأن عندما أراجع مذكراتي لأبحث عن سبباً للفرح التي غابت عني، أجد أن السبب الوحيد لضياء الفرحة هو غياب أمي، وكأنها أخذت الفرحة من قلبي عندما ذهبت إلى ربي، فعندما كانت تلبسني وأنا في سنة أولى إبتدائي البنطلون الطويل لأول مرة نظرت لي وقالت الأن أصبحت رجل كالكبار، نظرت لعينها وهي تبتسم وصدقتها، وكأن
كلماتها نفخت في نفسي الرجولة، وكلما إنتقلت من سنة إلى أخرى كنت أجد السعادة تنطق في عيونها، فأجد السعادة تنتقل لعقلي وقلبي، ووجدت فرحة تملئ الدنيا عندما أخذتني في أحضانها وأن أذهب للمدرسة أول يوم في المرحلة الإعدادية، وذات الأمر تحقق وأنا أذهب أيضاً أول يوم في المرحلة الثانوية، ولا أنسى دموعها وأنا أسافر إلى فرنسا لدراسة الطب، بعدها إختفت الفرحة من داخلي عند نجاحاتي فقد ماتت أمي ومعها ماتت الفرحة عندي، وحاولت أن أصنع لنفسي فرحة بشكل آخر أعيشها عند نجاحات أولادي، إلى أن أصبحا أباء، وصنعوا فرحة لهما خاصة بنجاحات أبناءهما "أحفادي".
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق