الجمعة، 3 أبريل 2026

صمت الزوايا ...بقلم الشاعر حميد النكادي


 صمت الزوايا...

بقلم: حميد النكادي.


أعشاشٌ طالَها الخرابْ

تلوحُ بينَ الأغصانِ

كأنها أطلالُ قشٍّ وترابْ

تلكَ التي كانت للّقلاقِ

قصوراً وقباباً في الفضاءِ

صارت بقايا..

تئن لريحِ الهجر

و غيابات الجفاءْ

​غابَ "الأنيسُ"

وغادرَ اللحنُ..

واستوطنَ الصمتُ في الزوايا..

خلفَ النداءْ

​يا طائرَ الأنس الذي رحلَ بهِ المدى

هل في المآبِ بقيةٌ.. أم ذا عزاء؟

أم جفَّ الصدرُ

فتوقفتِ المُقَلُ عنِ البكاءْ؟

أم هي الدنيا

تلقننا تحمّلَ الفراقِ

والصبرَ.. على أملِ اللقاء؟

من  يجيب النداء 

أم تتردد الآهات كالصدى 

حبيسة الأحشاء؟

31/03/2026 فرنسا


لنغوص في أعماق هذا النص، حيث يتجلّى ليس فقط الحزن على الفقد، بل صيرورة الوجود كله في مواجهة الفراغ والزمن.

أول ما يلفت الانتباه هو استخدام الأعشاش كرمز مركزي. الأعشاش ليست هنا مجرد مأوى للطيور، بل استعارة للموضع الآمن الذي يحتضن الأنس والحياة واللحن. حين يصير الخراب سائداً، تتحول هذه الأعشاش إلى "أطلال قش وتراب"، وهي صورة مزدوجة: الأولى حسية، من ملمس القش والتراب، والثانية معنوية، تدل على هشاشة الأمان، وسرعة زواله أمام الزمن والهجر. القارئ لا يرى فقط الخراب، بل يشعر به، كما لو أن الروح نفسها تُترك لتتأرجح بين الغياب والمكان المهجور.

غياب "الأنيس" وغياب اللحن ليس غيابًا ماديًا فحسب، بل غياب للانسجام الداخلي والسكينة النفسية. الصوت – سواء كان لحنًا أو ندًا للأنيس – يمثل الرابط بين الإنسان ووجوده في العالم؛ رحيله يعكس الفراغ الداخلي الذي يوازي الخراب الخارجي. الصمت الذي "استوطن الزوايا" يحوّل المكان إلى فضاء كئيب، لكن الزوايا هنا ليست مجرد مكان فيزيائي، بل زوايا النفس، حيث يُسجن الحزن ويحتبس الشوق.

الأسئلة التأملية في نهاية النص تمنح العمل بعدًا فلسفيًا. هي ليست مجرد أسئلة على فقدان محبوب أو رحيل طائر، بل استفسارات عن المعنى الوجودي: هل الفراق هو نهاية كل شيء؟ هل الصبر والتحمل هما الطريق الوحيد للإنسان أمام الفراغ؟ هل هناك شيء من العزاء في الاستمرارية، أم أن الصدى الداخلي للغربة يظل حبيسًا للأحشاء؟ هذه الأسئلة تجعل النص مرآة لتجربة الإنسان الكونية مع الفقد، مع الحنين، ومع الزمن الذي لا يرحم.

اللغة نفسها تعمل على مضاعفة الإحساس بالفراغ. التكرار الصوتي (الهجر – الجفاء) ووقفات النقاط الطويلة تخلق إحساسًا بالتمهل، وكأن الزمن داخل النص نفسه أصبح متباطئًا، متوقفًا، محبوسًا في صمت ومعاناة. الإيقاع الموسيقي هنا ليس موسيقى احتفالية، بل موسيقى الحزن المتدرج، التي تتردد في النفس كصدى أهات.

أخيرًا، ثمة تناقض مؤثر بين الماضي والحاضر: الماضي كان قصورًا وقبابًا في الفضاء، حاضرًا تحوّل إلى بقايا. هذا التناقض لا يروي فقط قصة الخراب، بل يسائل الوجود نفسه، كيف أن كل جمال وكل انسجام قابل للزوال، وكيف أن الإنسان، في مواجهته للغياب والفقد، يجب أن يتحمل الصبر، أو أن يصنع معنى من فراغه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بيني و بينك ...بقلم الشاعرة آمال بنعثمان

 بيني وبينك   الف مسافة ومسافة    أزمان تفصلنا فلن تفهمني ولن أفهمك بيني وبينك             ألف ليلة وليلة                     والأغاني      ...