الأربعاء، 28 يناير 2026

على حافة الضوء....بقلم الشاعرة فكريه بن عيسى

 *على حافة الضوء*

لم تكن تمشي؛ كانت تنسحب على مهل من الزمن.

ظهرها المقوّس يرسم علامة استفهام معلّقة في الهواء، وذاكرتها المثقوبة تُسقِط الماضي قطرةً قطرة، كساعةٍ مكسورة لا تعرف الاكتفاء.

كانت عجوزًا، ورموشها تتحرّك كمكنسةٍ خفيّة، تكنس غبار السنين عن عتبة القلب، وتجمع ما تبقّى من آثار الخطى قبل أن تبتلعها الريح.

لم تعد ترى الأشياء بعينيها، بل بجوهرها. الأبواب صارت احتمالات، والنوافذ منافذ ضوء، والصمت لغةً لها نبرة. حتى الفراغ اتّسع فيها، لا كفقدٍ، بل كمساحة للفهم.

كانت تمضي على مهل، بينما الزمن يلهث خلفها. كلما تعثّرت ساعة، ابتسمت، كأنها تربح معركة صغيرة ضد العجلة العمياء. وحين تسألها الأيام: هل من مزيد؟ كانت تجيب بعينيها، لأن الكلمات في هذا العمر تسقط عنها الزوائد، وتبقى المعاني عاريةً وصادقة.

جلست ذات مساء على حافة الضوء، حيث يتصافح النهار والليل. كان الهواء بارداً بما يكفي ليوقظ رعشة الذاكرة. وضعت يدها على صدرها، فسمعت القلب كطبلٍ بعيد في مهرجان منسيّ. أدركت أن النبض ليس صوتًا، بل عهدًا خفيًا بالبقاء، ولو في هيئة ظلّ.

رفعت رأسها نحو السماء، ولم تطلب شيئًا محدّدًا. تركت الدعاء مفتوحًا، كي تدخل الرحمة بما تشاء هي، لا بما تضيق به الرغبة.

شعرت بثقل العمر يضغط على كتفيها لحظةً واحدة.

ثم نهضت.

مشت خطوتين نحو الضوء، وخطوة واحدة نحو الظلّ. ابتسمت، وفي ابتسامتها وجعٌ يلين، وأملٌ يتردّد. فهمت أخيرًا أن الحياة لا تمنح خلاصًا كاملًا، بل تمنح قدرة نادرة: أن نضيء رغم النزف، وأن نمضي لا كناجين… بل كمعنى.

فكريه بن عيسى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا و سهلا ...بقلم الشاعرة د.عبيرالصلاحي

 أهلا...وسهلا...؟ حين بوح...تلعثمت حروفي .تاهت أبجديتها حتى لكأنني طفل صغير لا يعي اللغة سوى ولا يملك منها سوى  همهمات مبهمة القصد كلما طرقت...