الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

الخريف يشبهنا ....بقلم الشاعرة آڤيستا حمادة

 الخريفُ يشبهنا، في صمتِه ونُدبه،

تتساقط الأوراقُ، ويولد في القلبِ وعدٌ جديد.

في كل خفقةِ نسمةٍ، يُخبئ لنا بدايةً،

وفي كل لونٍ ذابلٍ، تهمس الحياةُ بأحلامٍ أجمل.

نحنُ الأوراقُ، نحترق قليلًا على الأشجار،

ثم نسقط، لنعانق الأرضَ، ونفتح صفحةً جديدةً من الدفء والضياء.


عناق الأخير للأرض....

الخريف يشبهنا…


يشبه أرواحنا حين تتأرجح بين الامتلاء والفراغ، بين الغصن والهاوية، بين وهجٍ يتوهّج للحظة وانطفاءٍ يتسلّل بخفة.

في صمته نسمع ارتجاف قلوبنا، وفي ندوبه نرى ملامح الذاكرة المرهقة. كل ورقة تتساقط ليست مجرد نداءٍ للفناء، بل شهادة على عبورٍ هادئ نحو بدايات أخرى، تُخبّئها الحياة في رحم الغيب.


الخريف هو كتاب الحكمة، يكتبه الوجود بلونٍ أصفر يتدرّج إلى حُمرةٍ خجولة، وكأنّه يعلّمنا أن الجمال في انكساره أصفى، وفي ذبوله أصدق.

في صفرة الأوراق تتجلّى الحقيقة: أن البقاء وهم، وأن جوهر الحياة حركةٌ أبدية بين الامتلاء والنقصان، بين الميلاد والغياب.


نحن الأوراق… نحترق قليلًا على الأشجار، ثم نسقط بسلامٍ كأننا نؤدي سجدة أخيرة للأرض التي انتظرتنا طويلًا.

نحن الذين نظنّ أن السقوط موت، بينما هو احتضانٌ جديد، انحناءٌ صادق نحو التراب كي نعيد إليه ما أعارنا من روحٍ ونسغ.

في احتراقنا لحظة نور، وفي سقوطنا بداية دفء، وفي اندثارنا بذرة ربيع لم يولد بعد.


الخريف ليس موسمًا عابرًا، بل مرآة تضعها الحياة أمامنا لنرى هشاشتنا وبهاء ضعفنا.

يقول لنا بصمته: لا تخشَ التعرّي، فالأشجار تتخفّف من أوراقها كي تحيا، وأنت كذلك لن ترى ذاتك إلا حين تنفض عن روحك أثقال الزيف.

ويقول لنا بندبه: لا تبكِ ما تلاشى، فما غاب عنك يتهيّأ للعودة في صورة أخرى، أجمل وأصفى وأكثر صدقًا.


هكذا نصغي للخريف:

في كل ورقة تذوي نقرأ قصيدة وداع، وفي كل غصنٍ عارٍ نتعلّم شجاعة التجرّد.

في كل نسمة باردة نسمع وعدًا خفيًا بأن الدفء سيعود، وفي كل غيمة رمادية نرى ميلاد مطرٍ يطهّر الذاكرة من الغبار.


الخريف يشبهنا…

لكننا لا ننهض من رمادنا إلا إذا آمنا أن الذبول لا يعني الفقد، بل بداية صامتة لشيء ينتظر اكتماله.

وأن سقوطنا ليس انكسارًا، بل خطوة أولى نحو ضياءٍ نجهله، لكنه يسكن أعماقنا منذ الأزل.


بقلمي :

آڤيستا حمادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فوضى ...بقلم الشاعر علي الموصلي

 فوضى ::::::::::::   دَع لي  إنكساري هُنا دعني مع الفوضى عمرٌ جنى مرقصٌ هيا الى الضوضا كّل الهُراء بدا مِن صُغر بؤپؤنا حتى ابتديتُ ارى إنا ا...