الخميس، 28 أغسطس 2025

لا تحزن ....بقلم الشاعر معاد حاج قاسم

 "لا تحزن ..أنت أخي.. "     :

=====================                         بضع دقائق.. وتغادرالسفينة الميناء .. يابحر..

بضع دقائق..وأنا أتأمّل صور الشاطىء..والميناء القديم والحجارة الضخمة ..وقد كُتب عليها ان تُجلد من الأمواج  العاتية...عمراً طويلاً .... لا أحد يشعر بألمها .. 

بضع دقائق يابحر..ويُعطي القبطان أوامره .. وينفلت الياطر من بين الصخور .. .                                  كذلك ينفلت الحبل الليفي الثخين..من رقبة ركيزة الميناء الفولاذية..

منذ ساعات..تركت أمي تبكي..وأختي الصغيرة..وقد تعلّقت بقميصي..تمسح دموعها به.. وألثم راسها..أشمّ ضفائر شعرها..ما كنت أظن..ولم يخطر ببالي أن أترك أمي وحيدة..وأختي الصغيرة..ليلى...فآه ياليلى..كم سأشتاق لضحكتك..وغمازتي خديك..وجلاءك المدرسي المطرّز..بثناءات المعلمة..وإمضاء المديرة ..

سنوات قهر..أجبرتني على الرحيل..كرم الزيتون..لم يعد كما كان. ولا داليات العنب ..                                    كل شيء..لم يعد كما كان.  حتى أنا وأنتَ ياصديقي..

لقد تغيّر..كل شيء...وأصبح كل منّا في مكان ...         أما أنت .. يا بحر..كم أخاف منك..وكم أحب ماءك المالح  تعكس بريق الشمس..عند ظهيرة كل يوم..

هاهي ..السفينة تطلق صوت بوقها الضخم..أرتعد من الخوف..أغمض عينيّ..أطبقهما بقوة..خوفاً على صورة أمي وليلى... كي لاتختفيا من ذاكرتي ..أطبقهما أكثر..على صور حيطان حارتي القديمة..على قبة مسجدها..على باب مدرستنا وقد دمرتهما الحرب...

وتخترق السفينة البحر..غير عابئة بي ولا بذكرياتي..ولا بذلك الشوق القديم...لقُبّرات الحقول..تعلن حنينها..عن سائر الطيور...وتتسلل الدموع من عيون ليلى..رغماً عني..أمسحها ببقايا منديلٍ فيه رائحة ضفائر شعرها ..   السفينة تخترق أمواج البحر...بعنادها الرصين .. والركاب كل منشغل بهمومه وذكرياته وأحلام توجعني.. وأنا أمسك بقلمي..وأكتب ..كيف رأيت سمك القرش..يتطاول على جدران السفينة..وكيف تدفق الماء الى جوفها....وهي تغوص..رويداً رويداً نحو اعماق المحيط....ساعتها..توقف كل شيء في حياتي..ونمت كما الاموات... 

ها أنا الأن .. أستفيق على  يدٍ  تحرّكني..وصوت أمّي..وبكاء ليلى..

الصوت يتعالى أكثر حناناً وإصراراً على إيقاظي..

إنهض..إنهض أنت

بخير يا ويختنق الصوت بدموعٍ أدركها تماماً... أربعة أنتم الناجون من الموت..أمّا الأخرون ..فقد غرقوا جميعاً ..

أنهضُ مرعوباً ..كيف نجَوت...؟ وكيف مات الآخرون...؟.

ثانية تهدهدني ذات اليد..وصوت حنون لا مثيل له .. 

لاتحزن.. أرجوك لاتحزن  .أنت أخي..

أنت أخي..

بقلمي.

أ .معاد حاج قاسم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أشباه رجال ...بقلم الكاتب أ.عبدالاله ماهل

 أشباه رجال قصة قصيرة لكاتبها: أ. عبدالاله ماهل من المغرب  انهد البيت بمن فيه على أم راسه، وتطاير الغبار من حواليه الى عنان السماء، وامتلأ ا...