عن العابرين بلا ضجيج
مقدمة لنص "ملامح أنثى عابرة"
✍️ Avista Hamade
ليست كلّ الأرواح خُلِقت لتُقيَّد باسم، أو تُعرَف بعنوان، أو تُختَزل في سيرةٍ مكتوبة على ورق.
بعض الأرواح تمضي كهمسةٍ في زحمة الضجيج، لا تُرى إلا بالبصيرة، ولا تُلمَس إلا إذا كنت قد عبرت مثلها حدود الذات.
تلك الأرواح لا تنتظر اعترافًا من الزمن، ولا تأذن للحكاية أن تأسرها بنهاية،
لأنها اختارت أن تكون عبورًا، لا هروبًا…
نورًا خافتًا يتسلّل من شقوق المعنى،
وعبارةً غير مكتملة، تفتح أبواب التأمّل لا الأجوبة.
في هذا النص، نقتفي أثر "أنثى عابرة"
لا تحمل اسماً، لكنها تترك أثرًا
لا تستوطن، لكنها تُؤنس الأماكن
وكأنها الحضور العميق لمن قرر أن لا يُقاس بالزمن، بل بما يوقظه في الوعي من أسئلة.
سلسلة ظلال البشر
(ملامح أنثى عابرة)
✍️ Avista Hamade
هي لا تبحث عن مكان،
ولا تنتظر أن يُفتح لها بابٌ في آخر الحكاية،
لأنها ببساطة لا تؤمن بالحكايات التي تُغلق على خاتمةٍ مرضيّة.
الحياة عندها ليست مسرحًا، ولا مشهدًا أخيرًا يصفّق له الجمهور؛
هي عبور... مجرد عبور في زمنٍ لا يعترف بالعابرين.
تمضي خفيفةً كنسمة،
تنسدل من نافذة حلمٍ لم يكتمل،
تحمل في عينيها بقايا وطنٍ لم يحتوِها،
كأن جذورها زرعتها الريح في أرضٍ لا تتقن الحنين.
وفي قلبها، خريطة من الشظايا،
كلّ شظية تشير إلى ذكرى،
وكلّ ذكرى تؤكد أنها مرّت، لكنها لم تستقر.
خطواتها تعرف الطريق،
حتى وإن ضلّت الجهات،
كأن الأرض تخبرها عن سرّها،
أو لعلها أدركت منذ البدء أن التيه لا يعني الضياع،
وأن الوصول ليس نهاية، بل اختبار آخر للهشاشة.
في حقيبتها الصغيرة،
قصائد منسيّة كتبها أحدهم ذات اشتياق،
وصورة لامرأةٍ تبتسم في مرآة الغياب،
تلك المرأة ليست أمّها، ولا أختها، ولا هي...
ربما كانت تجسيدًا لكل النساء اللاتي نزفن بصمت
دون أن يكتب التاريخ أسماءهنّ.
هي لا تترك اسمًا،
لكن الملامح تعرفها،
والذاكرة تتبع ظلّها كما تتبع الروحُ الجسدَ عند الرحيل.
تعبر الأماكن كمن يُبارك ترابها بصمت،
تهمس للجدران بما لا يُقال،
وتزرع في الهواء نبرةً تظلّ عالقة في الفراغ.
كأنها مرّت من هنا قبل قرنٍ،
قالت شيئًا لا يُنسى،
ثم رحلت… بصمت،
تمامًا كما تفعل الأرواح التي اكتفت بالتأمّل ولم تجرّب التملّك.
فهي تعرف أن امتلاك الشيء يعني بداية فقدانه،
وأن القلوب التي تتشبث تُستنزف،
أما هي، فعابرة...
لكنها عابرةٌ بحكمة،
تقرأ العالم كقصيدة، وتطوي الزمن كورقةٍ لا حاجة لقراءتها مرتين.
لم تكن يومًا حكايةً لأحد،
ولم تسمح لأحد أن يكتبها،
لأنها اختارت أن تكون المعنى لا النص،
والحقيقة لا الانعكاس،
والحضور الذي لا يُقيَّد بزمن أو مكان.
Avista Hamade


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق