الثلاثاء، 4 فبراير 2025

المعجزة ...بقلم الكاتب الهادي خليفة الصويعي


 المعجزة


سامي هو وحيد أبويه, وقد حاولا جاهدين توفير سبل الحياة الكريمة له, فنشأ مدللا, يأتيه الطلب قبل أن تتحرك به شفتيه, فيكفي نظرة من عينيه للعبة معينة, ليتسابق الأب والأم,: هل تريدها؟, وقبل أن يجيب بإيماءة من رأسه, يجري سباق أخر فالأب يسرع بإدخال يده الى جيبه, والأم تتجه يدها الى شنطتها, ويبتسم في زهو من يخرج الثمن أولا, وكثيرا ما كانا يتشاجران, لأن أحدهما أنفق أكثر من الأخر لمرضاته, كان سامي طفلا في المرحلة الإبتدائية, الوحيد الذي يرافقه أبواه الى المدرسة صباحا, وقد يقضيان فترة الإنتظار في أحد المقاهي القريبة إنتظارا لإنتهاء اليوم الدراسي للعودة به الى البيت, ونادرا ما كانا يعودان مباشرة الى البيت, ففي الطريق قد تكون هناك إيماءة من سامي, ناحية أحد المطاعم, فيدخلان إليه, وياتي السفرجي لمعرفة طلبهما, فيشيران الى سامي, وكانا يستمتعان وهما يشاهدان ولدهما يتحاور مع السفرجي حول أصناف الطعام التي يقدمها المطعم وقد يجد السفرجي عنتا في الشرح للولد, فيدير عينيه ناحية الوالدين طلبا للمساعدة, لكنهما يجيبانه بضحكة وإشارة الى الولد, ويقولان كأنهما في جوقة: هو المدير, تفاهم معه, فيزداد سامي زهوا, ويستمر في الحوار مع السفرجي, وحتى لوكان الطلب من الصنف الذي لا يحبذانه, فإنهما يشعرانه بالتلذذ بالأكل.. في المدرسة كان أغلب التلاميذ يتحاشون اللعب معه, لأن والديه كثيرا ما كانا يأتيان الى إدارة المدرسة يشكوان سؤ معاملة ولدهما من قبل أحد التلاميذ, فيظطر المدير أو المشرف الإجتماعي لمناداة التلميذ و توبيخه أمامهما, والتنبيه عليه بعدم التعرض لسامي,..وفي الحقيقة فإن سامي كان نبيها ومتفوقا في تحصيله العلمي, ولم يكن من النوع الذي يحب اللعب والجري في فترة الإستراحة, بل كان نادرا ما يغادر الفصل وقد يقضي فترة الإستراحة في مقعده, إما متناولا لفطوره المتعدد الأصناف, أو لمطالعة أحد الدروس...كانت زميلته سامية هي المقربة له, فهي الوحيدة التي يرتاح لمجالستها, وكثيرا ما كانا يقضيان فترة الإستراحة يجلسان في ظل شجرة يتحدثان مع بعضهما البعض, أو يتناولان الإفطار سويا..كانت تلك أسعد لحظات سامي في المدرسة, وكان يكثر من ذكرها لوالديه, فكانا يتنافسان أيضا في إرسال بعض الهدايا لسامية, وقد تعودت أمه أن تعد الإفطار بما يكفي لشخصين...مع نهاية العام الدراسي, قالت له سامية: بأنها ستسافر مع والديها لأمريكا خلال الصيف, أمتعض قليلا لكنه قال: وأنا كذلك سأسافر فقد وعدني أبي وأمي بالذهاب الى فرنسا خلال العطلة الصيفية..وجاء اليوم الموعود فقد ظهرت النتائج وأستلما إستمارة الدرجات, وكان ترتيبهما من الأوائل, فأحتفلا على طريقتهما تحت شجرتهما وتواعدا على اللقاء في بداية العام الدراسي, ولم ينسى سامي أن يقدم لسامية مشط مطلي بلون ذهبي كهدية بمناسبة النجاح, أشترته أمه لها, وتمنيا لبعضهما عطلة سعيدة, وأفترقا على أمل اللقاء...دخل العام الدراسي وكالعادة دخل سامي الى المدرسة صحبة والديه, وكانت عيناه تبحثان في كل إتجاه لعله يرى سامية, لكنه لم يرها, ولاحظت أمه ذلك فقالت: صبرا يا ولدي ستراها في الفصل, فأطرق خجلا, وأنفلت من يدها وأسرع ناحية الطوابير...عند نهاية اليوم الدراسي, جاء والديه, فأستقبلهما بوجه متجهم, قالت أمه فزعة: ما الأمر هل تعدى عليك أحد التلاميذ الويل له, وأنطلق والده بإتجاه إدارة المدرسة, لكن سامي قال بصوت منخفض: لم يحصل شيء, أحس ببعض الألم, ففهمت الأم: وقالت: كيف حال سامية, ولم تنتظر الإجابة, فأسرعت تنادي على زوجها قبل أن يصل الى الإدارة, فعاد مسرعا, وكررت سؤالها لإبنها: فأطرق وقال لم تأتي الى المدرسة, حاولت الأم التخفيف عن ولدها, فقالت: لعل ظرف ما قد منعها اليوم عن المجيء, وستأتي غدا...لكن لا غدا ولا بعده ومر العام ولا أثر لسامية في المدرسة, وعاد سامي الى الإنطواء والوحدة وبدأت أمه تلاحظ عليه السرحان والذبول, فحدثت والده بالأمر, وقررا السؤال عن سامية, أخذا العنوان من الإدارة وذهبا الى حيث تسكن, وجدا بواب العمارة, فسألاه عن عائلة سامية, فقال لهما: الدكتور محمود سافر مع عائلته الى أمريكا للعمل هناك, ولا أعتقد بأنه سيعود قبل سنوات, فقد أعطاني مفتاح الشقة لتأجيرها...تأسفا للأمر, لكنهما قررا ضرورة إخراج ولدهما من هذه الأزمة, وطمأنا نفسيهما بأنه ولد صغير وسرعان ما ينسى..مر العام الدراسي, فكانت نتيجة سامي النجاح لكن ليس بنفس المستوى, ومرت الأعوام, دخل سامي الجامعة, وقد نحف جسمه, وزادت إنطوايئته, ولم يكن يرغب في تكوين أية علاقة مع زملائه و زميلاته, فقد كان يحضر المحاضرات ويعود الى البيت فيغلق حجرته على نفسه, ويهيم في فضاء لا متناهي من الأفكار التي تتقاذفه يمنة ويسرى, وكانت أمه تأتي له بالغذاء والشاي, فيأخذه منها ويتحجج بأنه يذاكر إستعدادا للإمتحان, ولكن حاله بدأت تسؤ أكثر فأكثر..فقررا ضرورة عرضه على طبيب, ويالصدمتهما فقد أخبرهما الطبيب بأن أبنهما يعاني من مرض نادر, ويجب حجزه في المستشفى, بأسرع وقت ممكن, ولامهما على تقصيرهما في عرضه على طبيب, فالمرض قد تمكن منه لدرجة كبيرة, أسودت الدنيا في وجهيهما, وترنحت الأم فيما يشبه الإغماء فأرتمت على أقرب كرسي, وأنهمرت دموعها, ووقف الأب واجما يجيل بصره بين زوجته والطبيب, حاول الطبيب التخفيف عنهما بعبارة معتادة, ولكنه أصر على ضرورة دخول سامي الى المستشفى حالا, قال الأب: هو بالجامعة يادكتور, فرد الدكتور: الجامعة تنتظر لكن المرض لا ينتظر, فقال الأب: المشكلة..رد الدكتور: لا مشكلة يمكننا تقسيط أو تأجيل الدفع, فأسرع الأب: المشكلة ليست مادية, بل في كيفية إخباره بالأمر وإقناعه بذلك, فقال الدكتور: دع الأمر لي, وأخرج زوجتك وأدخلا سامي, وسأقنعه بطريقتي الخاصة, ساعد الأب زوجته على النهوض وخرجا الى الردهة يجرجران أقدامهما, فهرع سامي إليهما, وهو يتسأل: ما الأمر, ماذا قال لكما الدكتور, فغمغم والده: إنه يريدك على إنفراد, وقبل أن يتفوه سامي بكلمة وقف الدكتور ببا ب حجرته, وناداه: سيد سامي أرجوك تفضل, فترك والديه ودخل الى الحجرة..بعد نحو ربع ساعة خرج من الحجرة وهو مطأطي الرأس, فوجد والديه يجلسان على كنبة, هرول ناحيتهما, ولم يتمالك نفسه عن البكاء, فأرتمى في حضن أمه وأخذ ينشج: لقد ضاع الأمل, وضاعت الأحلام, لقد أنتهيت, فأنهمرت أمه بالبكاء وتحجرت الدموع بمآقي والده, وحاول أن يخفف من حدة الموقف, لكن الكلمات خانته, فنظر الى الدكتور الذي كان واقفا يرقب المشهد, كأنه يستنجد به, فقال الدكتور: لم يضيع شيء يا سيد سامي فالطب قد تقدم, وسنجد حلا, ثم أن الأمر كله بيد الله, وأنت رجل مسلم, فقال الأب: ونعم بالله, ورفع سامي رأسه, وقال مخاطبا الدكتور: أنا جاهز, ونهض واقفا, فأشار الدكتور بيده لإحدى الممرضات قائلا: جهزي سرير بالغرفة رقم 5 بسرعة, وتوجه الى والدي سامي قائلا: أنتظرا لتأخذا ملابسه, وبإمكانكما زيارته في أي وقت تشأؤون...شهقت الأم, لم تستطع الوقوف رغم محاولتها, ومساعدة زوجها, ودارت عينيها ثم ذهبت في إغماءة, أفزعت سامي وأبوه فقال: الدكتور: لا تنزعجا, ودخل الحجرة وخرج يحمل منديل مبلل بيده, قربه من  وجه الأم, فتحركت وأفاقت, وأشار الى سامي بالذهاب خلف الممرضة, فذهب وهو يلتفت بعد كل خطوة, وساعد الرجل زوجته على النهوض, وأتجها الى باب المستشفى, فأستوقفهما مكتب الإستعلامات وأخذ منهما بعض البيانات, وسلمهما كيس به ملابس ولدهما, وغادرا...مر شهر وتبعه أخر وحالة سامي تزداد سؤا, أكثر من مرة حاول والده أن يتحدث الى الطبيب مستفسرا عن إمكانية علاجه بالخارج, وكان الطبيب يؤكد له بأن لا فائدة من ذلك, فلن يجد أكثر مما يعطى له هنا, ثم أن السفر ومشاقه قد يعودان عليه بأثر سلبي..جلس والد سامي و زوجته بالبيت, وكأن على رؤوسهما الطير, كانت الخادمة تأتي بسفرة الطعام, وترفعها دون أن يقترب منها أحد منهما, وكانت الطاولة الجانبية قد أمتلأت بالمجلات الطبية بحثا عن حل لكن دون جدوى..فجاة نهضت الام كالملدوغة, والتقطت أحد المجلات, وأخذت تحدق في غلافها الخارجي, وهي تطلب من زوجها الإستعداد للخروج, ولم ترفع عينيها عن المجلة, حاول الزوج الإستفسار لكنها ألحت عليه في تغيير ملابسه بسرعة, وقالت: وهي تتجه ناحية الباب: سأنتظرك بجانب السيارة, وما هي إلا دقائق حتى كانا بالسيارة, فقال: الى أين, لم تجبه لكنها مدت إليه يدها بالمجلة, وهي تشير بأصبعها الى عنوان, فأنتبه للإسم (عيادة الدكتورة سامية محمود), فنظر الى زوجته, فقالت: يارب يكون الفرج على يديها, وبسرعة البرق كانا يقفان على باب العيادة ودفعا مستعجل, وأضاف الأب بعض البقشيش للممرض, فأدخلهما الى حجرة وقال: لحظات وتأتيكما الدكتورة, وما أن دخلت عليهما حتى بادرتها الأم والدمع يفيض من عينيها, أنت سامية محمود التي درست بالمرحلة الإبتدائية بمدرسة الفرقان الإبتدائية, فقالت: نعم, فأخذتها الأم بالحضن, وهي تبكي وتقول: يا بنيتي, هل تذكرين زميلك سامي الذي كان يجلس دائما معك تحت الشجرة الكبيرة, والذي أهداك مشط مذهب, أبتسمت الدكتورة رغم المشاعر التي أنتابتها نتيجة إحتضان الأم لها فالموقف كان غريبا, وقالت: مرت سنوات, فقط أعطيني فرصة لأتذكر, فقالت الأم: بعد أن أنتبهت لموقفها: تذكري يا بنيتي, فحياة ولدي رهن ذاكرتك, جلست الدكتورة الى مكتبها وأخذت تتأمل في السقف, وتجيل عينيها بين الأب والأم, ثم قالت: تذكرت, وأين هو سامي اليوم, هل أصبح دكتور أو مهندس, فهو يستحق أكثر من ذلك, لأنه ذكي جدا, وقد كان يحضر لي بعض الدروس, يكتبها لي, فقالت الأم: إذن وجب عليك رد الجميل له, فهو اليوم في أمس الحاجة إليك, قالت الدكتورة: خيرا إن شاء الله, فقالت الأم: سامي يرقد الان بالمستشفى بين الحياة والموت, فقد أصيب بمرض يقولون أنه نادر والشفاء منه شبه مستحيل, فردت الدكتورة: لا مستحيل فالله هو الشافي, فردد الإثنان كلماتها الأخيرة, وطلبا منها بإلحاح أن ترافقهما لزيارته, فقد يكون لوجودها بقربه تأثير إيجابي, وأضافت الأم: فهو منذ أن غادرتي تبدلت أحواله, فأطرقت الدكتورة خجلا, وقالت: سأذهب معكما فأنتظراني لحظات لأبدل ملابسي, قال الأب: سننتظرك بالسيارة أمام العيادة, قالت: حسنا, فنزلا السلالم وهما يبتهلان الى الله أن يجود على ولدهما بالشفاء.

وصلوا الى المستشفى, فأتجه الوالدان الى حيث يرقد سامي, فيما قادت إحدى الممرضات الدكتورة سامية الى حجرة الدكتور المعالج, طرقت على الباب بأدب جم ودخلت فيما ظلت سامية تتأمل صورة لمنظر طبيعي معلقة على الحائط, وأنتبهت على صوت الدكتور وهو يخرج من الحجرة مرحبا بها وعلى وجهه إبتسامة عريضة, دخلت الى الحجرة وهي ترد بعبارات شكر وامتنان, ودعاها للجلوس, ودار هو ليجلس خلف مكتبه, قالت وهي تجلس: أنا هنا من أجل سامي, رد عليها: مرحبا بك, إن حالته صعبة, وهي مستقرة, لكن استجابته للأدوية بطيئة جدا, قالت تعرف بنفسها: الدكتورة سامية محمود إخصائية أمراض عضلية, جامعة كاليفورنيا, عدت من هناك قبل نحو ستة أشهر, أتسعت ابتسامته, وقال محسوبك: الدكتور محمد أبو العينين أخصائي أمراض باطنة, خريج كاليفورنيا أيضا, لكن قبل أكثر من ربع قرن, وأضاف أكيد تغيرت أشياء كثيرة خلال هذه الفترة, اجابته: بالنسبة للبناء لم يتغير كثيرا لكن المحتوى تغير تغيرا شبه كامل, وأخذا في أحاديث عن ذكريات كاليفورنيا, قطعته سامية بقولها: لو سمحت هل لي بالإطلاع على ملف سامي الطبي, قال: بكل سرور, ضغط على زر بجانبه, فجاءت ممرضة, قال لها: أحضري ملف المريض سامي الذي بالحجرة رقم 5...لحظات وعادت الممرضة تحمل الملف, فأشار إليها الدكتور بعينيه, فسلمته الى سامية, وقبل أن تخرج نهض الدكتور وقال مخاطبا سامية: سأمر على بعض المرضى خذي راحتك, فغمغت وهي تنظر في الأوراق التي بالملف: شكرا لك, وخاطب الممرضة: أطلبي للدكتورة كوب عصير, فقالت سامية: بل قهوة سادة لو سمحت, انهمكت في الإطلاع على محتويات الملف, ولم تنتبه للممرضة عندما دخلت بالقهوة ووضعتها أمامها على الطاولة...عاد الدكتور من جولته, فوجدها لازالت تتصفح الملف, فقال وعلى وجهه ابتسامة عريضة: إيه يادكتورة قهوتنا لم تعجبك, فأنتبهت لكلامه وقالت: العفو, لم أنتبه لها, فقال: يبدو أن المريض مهم جدا, قالت: هو قريبي, وهو وحيد والديه, ومدت يدها الى فنجان القهوة فأرتشفت منه رشفة, فوجدتها باردة, فعرفت أنها قد أخذت وقتا طويلا في الإطلاع على ملف سامي..تبادلت مع الدكتور بعض الجمل الطبية وطلبت الإذن بالذهاب الى حيث يرقد سامي, فنهض من مكتبه وهو يمد يده ويتجه ناحية الباب ويتمتم: بكل سرور, وودعها الى عند الباب, وأشار الى إحدى الممرضات قائلا: رافقي الدكتورة الى حجرة رقم 5, وصافحها وعاد الى مكتبه, فيما ذهبت سامية خلف الممرضة.., وقفت أمام باب الغرفة, فقد شعرت بإرتعاشة تسري في عروقها, أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب, وما أن دخلت حتى نهض الوالدان يستقبلانها وفي عينيهما أكثر من سؤال, قالت وهي تحاول أن ترسم ابتسامة على شفتيها: إن حاله ليست صعبة كما تتصورون,..أفسحت الأم لها المجال لتجلس على كرسي موضوع قرب رأسه, وكان هو ممددا على السرير بلا حراك, جلست وأخذت تتأمله مليا, فأنتابها شعور بالرغبة في البكاء, لكنها تماسكت, وبحثت عن يده تحت الغطاء, وتظاهرت بأنها تتحسس مواضع النبض, أشارت الأم الى زوجها, فخرج وأغلق الباب, مدت سامية يدها الأخرى ففتحت عينيه على التوالي, وفي هذه الأثناء كانت الأم قد غادرت أيضا الحجرة, فقد شعرت بأن بقاء الدكتورة معه لوحدها أفيد لولدها, بقيت سامية لحظات بعد خروج أم سامي, وكانت تمسك بيده, قربت فمها من أذنه وهمست: سامي أنا سامية قد عدت من أمريكا, هل تسمعني, وكانت تضغط على يده وهي تحدثه, تأملت وجهه وتركت شعرها ليغطي وجهه وقربت شفتيها منه وهي تقول: سامي حبيبي, لم أنسك لحظة واحدة, ومازال المشط الذي أهديتني إياه معي, هل تشعر بشعري وهو يلامس وجهك,..لم تتمالك نفسها فكانت دموعها تسيل على خديها, مسحت الدموع بكفها وبللت بها شفتيه, وهي تقول: سامي هل تشعر بدموعي على شفتيك إنها دموع فرحتي بلقائك, ثم أقتربت من وجهه أكثر, حتى لامست شفتيها شفتاه, وغمغمت هذه بداية قبلة, أرجو أن نستكملها بعد شفاءك, وسأنتظر, فأرجوك لا تطيل إنتظاري, وكانت تحدثه وكامل أنتباهها على يدها التي تمسك بيده, شعرت ببعض الإستجابة فقد حدثت إرتعاشة في يده ونظرت في عينيه المغمضتين, فلاحظت أيضا بعض الحركة على الأهداب..تركت يده ونهضت الى حيث حنفية المياه وغسلت وجهها وأخرجت منديل ورقي من شنطتها وجففت به وجهها ونظرت في المرآة وعدلت من حالها, ثم توجهت الى الباب, وجدت الأب والأم يجلسان على كراسي بالردهة, فنهضا لخروجها, وقبل أن يتكلم أي منهما قالت هي فيما يشبه الأمر: يجب أن أنقله الى عيادتي, فقد أحضرت بعض الادوية والأجهزة معي, يمكن أن تفيده, وتوجهت مباشرة الى حجرة الطبيب..

في عيادة سامية خصصت له حجرة, وأستأجرت ممرضة وزوجها ليقوما على خدمته ليل نهار, فقد خصصت لهما حجرة مجاورة لحجرته, وكانت هي تقيم بالدور العلوي, وأخذت تعطيه جرعات الأدوية بإنتظام شديد وتحقنه بالحقن, وبعد كل جرعة أو حقنة تأخذ عينة من دمه وتحللها, وكانت تقضي الساعات الطوال وهي تناجيه, وتحدثه عن المستقبل الذي ينتظرهما, وترجوه أن يفيق, وكانت دموعها تبلل وجهه, فتحدث بعض الإستجابات المتذبذبة تارة إيجابية وتارة سلبية لكنها لم تفقد الأمل, استمرت على تلك الحالة نحو شهر, وفي اليوم الحادي والثلاثين استيقضت على طرقات على باب حجرتها فأنتبهت من نومها وهرولت نحو الباب وهي تبتهل الى الله أن يكون خير, وجدت الممرضة على الباب وعلى وجهها ابتسامة عريضة, وبادرتها بالقول: لقد فتح سامي عينيه, تأثرت لما سمعت لدرجة أنها تمسكت بالباب خوفا من السقوط, وأسرعت بملابس النوم تنزل الدرج, انتبهت الممرضة الى أن الدكتورة قد نزلت بملابس النوم الخفيفة, فرجعت الى حجرتها وخرجت تحمل بيدها روب كشميري أحمر, دخلت الى حجرة سامي فوجدت الدكتورة منكبة على وجه سامي وهي: تغمغم: لقد نجوت ياحبيبي, الحمد لله, ودموعها تنهمر بغزارة وهي شبه مرتمية عليه, فوضعت الممرضة الروب على كتفيها وغادرت وهي تقول: قادر على كل شيء.

   الهادي خليفة الصويعي..ليبيا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لواحظ ذات بهجة ....بقلم الشاعر نصر محمد

 لواحظ ذات بهجة كنه  الجوهر  المصقول بالتأمل  الهطول الزاخر بطوفان المواهب  رؤياك ذات  نكهة   تنفي عقم الكدر  بأحسن حقول السرد ثمار البديهيا...