الأربعاء، 8 يناير 2025

أسباب التخلي عن غزة ...بقلم الكاتب الهادي خليفة الصويعي


 أسباب التخلي عن غزة

الموقف العربي المتخاذل تجاه مايجري من جرائم وتعدي على أبسط حقوق الإنسان من قتل وتدمير في غزة دعاني للتأمل والتفكير..

فحسب ما يذكره التاريخ فإن العرب أهل نجدة، وإغاثة الملهوف، وعدم السكوت على الظلم، وإجابة المستنجد بهم، وغيرها..فأين ذهبت كل هذه المباديء والقيم التي كان يتحلى بها العرب؟!..

لست هنا للطعن في نظام عربي بعينه، ولا لتبرير الموقفين الرسمي والشعبي من عملية طوفان الأقصى التي أراها رد فعل طبيعي عن الحصار والظلم الصارخ الذي كان الهمج يمارسونه ضد أهل غزة فقد ضيقوا عليهم حياتهم لدرجة الإختناق، وقاربوا أن يمنعوا عنهم الهواء، وهي أيضا نتيجة عقود من الخيبات المتتالية، فقد مد العرب أيديهم بالإستسلام (السلام) ولكن دون جدوى، فكلما زاد تمسكهم بالسلام زاد العدو في تهوره وصلفه، وأمعن في تحديهم وإذلالهم..

طوفان الأقصى رغم ما نتج عنه من دمار وقتل ونزوح يظل خيارا لرجال لم يستطيعوا تحمل المزيد من الضغوطات واللامبالاة تجاه معاناتهم، فنهضوا بما لديهم من عدة وعتاد للوقوف في وجه العاصفة..

وحسب وجهة نظري المتواضعة، فإنهم لم يتوقعوا من أمة تقارب المليارين من إخوة العرق والدين أن يتخلوا عنهم بهذه الصورة المخزية المشينة..

هنا سنحاول الغوص في التاريخ ونتقدم الى الحاضر لعلنا نصل الى سبب هذا التخاذل عن نصرة أشقاء يعانون الأهوال، ويصرخون ليل نهار، حتى هزت صرخاتهم ضمائر حية في العالم فهبت شعوب كثيرة في المعمورة وأنتفضت لنصرتهم، ولكن إخوتهم وجيرانهم الأقربون لم يحركوا ساكنا..

هذا الموقف من الشعوب الإسلامية، والعربية خاصة حير العقول، بإستثناء اليمن، وهو إستثناء يثبت القاعدة..

من خلال تتبعنا للتاريخ وجدناه مليء بالبطولات الخارقة للعرب، ورائنا بصفحاته عجب عجاب، فمن قائل..ونشرب إن وردنا الماء صفوا..الى.. لا يجهلن أحد علينا، ولا أعتقد أن بعد هذا الجهل علينا من جهل، مرورا بعنتريات وأيام عرب كثيرة، فمن اجل ناقة قامت حرب ضروس تسمى البسوس، ومن أجل سباق خيل تطايرت أعناق كثيرة، ومن أجل صحن طار رأس ملك، ومن أجل الوفاء بالعهد خسر السمؤال إبنه وأفتخر بذلك، ولن نتجاوز ذلك الغاضب من إيوان كسرى الفرس، والذي أرسل قصيدته المشهورة، التي نبهت العرب لخطر قادم، فكان يوم ذي قار، مواقف كثيرة تقارب أن لا تحصى يدونها التاريخ من مآثر العرب وبطولاتهم ونجدتهم، فأين ذهبت؟!..

تعالوا بنا لنحاول الإجابة على هذا السؤال المحير..

لقد مر العرب عبر التاريخ بثلاثة فترات مهمة، العصر الجاهلي، وعصر فجر الإسلام، وعصر الركون الى الدنيا والإطمئنان بها..

ففي العصر الجاهلي كان العرب قبائل متنحارة، لا يجمعهم شيء، ورغم ذلك وجدنا عندهم أثارة من مكارم أخلاق، فهم لا يتقاتلون في الأشهر الحرم، ويهبون لنجدت من يستنجد بهم، ويُكرمون الضيف، ولا ينامون على ضيم، وإذا ما ظُلموا يكون رد فعلهم مر كطعم العلقم، لهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام..أتيت لأتمم مكارم الأخلاق..ولم يقل أتيت بمكارم الأخلاق، فهو لاينطق عن الهوى عليه افضل الصلاة والسلام..

وقد بزغ للعرب فجر جديد من غار حراء ليعم نوره الدنيا، ورائنا أن هذه القبائل المتناحرة تتوحد تحت راية واحدة وتحقق في زمن قياسي ما عجز العقل الإنساني عن تفسيره حتى يومنا هذا، فقد تحطمت على إيديهم أعتى إمبراطوريتين عرفهما التاريخ وهما فارس والروم في فترة زمنية مُعجزة، حينما أعتزوا بدينهم الذي أرتضاه الله لهم..

ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا كل ذلك، وركنوا الى الدنيا وأطمأنوا بها ولها، فكَرٍه الله إنبعاثهم فثبطهم، عندما حادوا عن الطريق المستقيم، وبحثوا عن العزة في غير موضعها، فأذلهم الله..

وكانت البداية من دويلات الأندلس، والخلافة العثمانية الغير راشدة، والتي سلمتهم للعدو ليعيث في الأرض وفي العقول فسادا..

وفي غفلة منهم تم وضع منهج ثقافي ليسيروا على نهجه الى حيث يؤمرون..

وللأسف الشديد تولى كٍبًر هذا المنهج مثقفين وكتاب عرب تتلمذوا على أيدي أعداء العرب بعلمهم أو بغير علمهم..

فتحول العرب من أمة مكارم الأخلاق الى أمة سفاسف الإرتزاق، فهذا يضنفهم بأنهم هم شعرهم الجاهلي، وأخر يصف لهم قصة فجور في مدغشقر على أنها فضيلة، وأصبح العرب يذرفون الدموع على موت فارس بلغاري وقف في وجه المد الإسلامي بقارة أوروبا، وينتحبون على مأسأة كاعب لعوب تسمى ماجدولين..وتستمر رحلة الإنهيار نحو الأن، فأمتلآت مدن الإسلام بدور الدعارة، والخمور، وموائد القمار والميسر، وتحولت المساجد من منارات تهدي الحيارى الى أماكن تجمع منافقين ومتخاصمين، وتم من خلالها تقديس ولاة الأمور مهما فعلوا، فهم خلفاء الله في الارض، حتى وإن كانوا في حقيقتهم خلفاء إبليس..

وتم خلال هذا المنهج طمس كل ما من شأنه أن يساهم في نشؤ أجيال منتمية للعرق والدين، فقد تعلم الطفل كل تفاصيل حياة الزير، وجساس، وعرف أن أعز العرب هو كليب..لأن حماه نباح جرو..وأن ماء البحر ملآه أبن كلثوم سفينا، وأن للنعمان يوم بؤس ويوم سعد، وعرف أن للعرب أيام من تحلاق اللمم، الى بعاث والغدير..

وتعلم الطفل أن تعداد القُبل ميزة للأمير، وأن التحرش بالنساء في بيت الله الحرام ميزة، فقد تميز أبن أبي ربيعة بذلك، وكثيرا ما قرأ عن مهاترات الفرزدق وجرير، وخمريات بشار وأبونواس..

سارت القافلة حثيثا نحو الهاوية، وكان الرعاة حريصون على أن يبتعدوا بها عن يوم الغار، وعن الأرقم، واليرموك والقادسية وعين جالوت ويوم الجسر، وقد يمرون بها مرور اللئام عن يوم ذي قار..

وتم تصوير الحضارة والرقي والتقدم على أن كل ذلك لا يتأتى إلا بالعُري، والإبتذال، والسير خلف الضلال، فنشأت أجيال لا منتمية، ولا واعية، أصبحت الدنيا مبلغ همها وعلمها، وتحولت قبلتها الى حيث

يسكن الشيطان فأحاطها بأحابيله وركض عليها بخيله ورجله، ولم يرقب فيها إلا ولا ذمة..

وعاد العرب الى التناحر والتنابز بالألقاب، وتتبع سفاسف القول، وأصبح التافهون منهم هم سادة القوم و وجوه المجالس..

لهذا وغيره خذلنا أهل غزة ولم نهب لنصرتها، لأننا لم ننصر الله فلم ينصرنا..

دموع هطلت على هيئة حروف، فحفرت على الخد أخاديد، وكان لونها أحمر قانيا فقد ضخها القلب من سويداءه لعلها تجد أذان صاغية وقلوب واعية.

الهادي خليفة الصويعي..ليبيا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سقط سهوا ...بقلم الشاعرة سعاد شهيد

 نص بعنوان / سقط سهوا أنا العربي المقهور في خيمتي  جلد جسدي مدفون مع  الأوتاد  لم يحجبوا عني السماء  لكنهم منعوني من التحليق  لم يطفئوا الشم...