مذكرات عائد من القبر
من هؤلاء المحيطون بي؟!..، تبدو عليهم ملامح متباينة فرح وريبة، زوجتي أبنائي إخوتي أخواتي أقاربي كلهم يظهر الفرح بعودتي ولكن كل واحد منهم يخشى البقاء بجانبي لوحده..
ولم أكن أيضا مهتم بمن حولي من هول مارائت..
تم وضعي في القبر وبعد أن أظلمت بوضع أخر بلاطة شعرت بأن روحي قد عادت الى جسدي وكنت اسمع البعض وهم يهيلون التراب على الأسمنت وهم يتندرون ويضحكون، وبعضهم الأخر يحاول أن ينتهرهم ويطلب منهم إحترام الموقف..
وفجأة شعرت بحركة داخل القبر، وإذا بإثنين بجانبي أجلسوني وكنت كالأبله مرتعبا وحائرا فلكزني أحدهما، وقال: أنتبه فإنك في مفترق طرق، وسنمتحنك فإن نجحت فقد فزت، وإن رسبت فالويل والثبور..
وكنت أستمع إليهما ورغم ضيق المكان كان بصري حديد..
أنتبهت على صوت أحدهما يقول: أستعد سنعود إليك بعد الضم، وأختفيا..
بدات الأرض تتحرك وبدأ القبر يضيق، كنت اصرخ من الألم فقد كانت أضلاعي تتكسر، وعظامي تتهشم وتداخلت عيناي في بعضهما البعض، والتصقت اذني اليسرى باليمنى، وأنقبض قلبي، فلم يعد به بطينين او أذينين، وتداخلت الشرايين بالأوردة، والرئتان أصبحتا رئة واحد بلا حجم، وأنفجرت معدتي والأمعاء، ورائت محتوياتهما، وكنت حي..
رجع الإثنان وأخذا يسألانني عن النعيم الذي كنت فيه..
بدأت الأسئلة تتوالى، والذكريات تعرض أمامي كشريط منذ أن بلغت الحلم، مرت أمامي كل تصرفاتي، لم تغب شاردة او واردة..
كنت أبكي ندما على تفريطي، وعملي الشائن، وكان كلما مر موقف مشين ينظر الإثنان لبعضهما البعض، ويقولان: وأسفاه، لقد كنت في غفلة..
رائت تفريطي في الصلاة، وعدم غض بصري في الصيام، ومعاملتي للناس، وعقوقي وقطعي لصلة الرحم، وحبي للمال، وجمعي له، تمنيت أن أعود لأصلح أخطائي ودون أن انطق سمعت الإثنان يرددان: هيهات، هيهات..
ذهلت من هذا التسجيل الدقيق جدا لمجريات حياتي..
وسمعت هاتفا يقول: لا ظلم اليوم وكفى بنفسك اليوم حسيبا..
تلفت يمينا فإذا أنا بمنظر لا يوصف من نعيم وخضرة وانهار تجري وعصافير تزقزق، منظر لم يخطر على قلبي..
قيل لي: أنظر الى شمالك، فإذا أنا بجحيم لا يوصف ولا يطاق، فأرتعدت فرائصي من هول ما أرى..
قال الإثنان: ستذهب لأحد المكانين فماذا تتمنى، لأنك كنت في فسحة لتختار، لكن الفسحة قد ذهبت يوم مقدمك الى هنا..
فاليوم لا مجال لك لتختار، بل عملك هو الذي سيوصلك الى مكانك الأبدي..
تذكرت أن عملي مهما يكن لن يوصلني الى ذاك النعيم، فتمتمت: رحمة الله. فقالا: هذه ليست بإيدينا.
كنت أتململ في فراشي وأتصبب عرق، وزوجتي تهزني لتوقضني وهي تقول: مابك. أستيقضت على صوتها ونظراتها الحائرة، وأنا مشدوه من هول الموقف الذي كنت فيه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق