السبت، 8 يوليو 2023

وشاية اللغة ...بقلم الشاعر لحسن قراب

 وشاية اللغة


مررت كعادتي أمام بائعي الفواكه، كان البعض صامتا لاينبس ببنت شفة، وكان غيرهم يصيح بصوت مرتفع، ويعلن عن سلعته، وجودتها، وثمنها، وكان الناس يتبضعون من هؤلاء الباعة وإن كانت احيانا أصواتهم تحدث ضجيجا في المساجد، فهم بمجرد تسليم الإمام يعتبرون الصلاة قد تمت وحان الأوان لإطلاق مكبرات الصوت التي تحدث ضجيجا ليس فقط في المساجد بالنسبة للذين لم يتموا الصلاة بعد أو بالنسبة للذين يصلون النوافل، ولكن أيضا صخب  مكبرات الصوت يتغلغل في الدور المجاورة  من غير اهتمام بالمرضى والمقيمين، والمقيلين، والذين يعملون ليلا وينامون نهارا كحراس الأحياء والمستشفيات ورجال الأمن وغيرهم، إن هذا النوع من الباعة لايفكر الا بشكل اناني، همه البيع ثم البيع، أليست الغاية تبرر الوسيلة؟!

 تقدمت عند أحد الباعة و بين يديه الكثير من الشمام (البطيخ)، قدَّم الي جزء ليضمن شرائي، فأنت حين تذوق جزء من السلعة، تكون قد ابتلعت الطعم، وأصبحت منذمجا في عملية البيع والشراء، ولكن الجزء المقدم لك قد يكون من سلعة أخرى، وقد يكون مختارا بعناية، اي انه قد لايمثل السلعة المقدمة.

 اعتذرت كعادتي، لأن هذه السلع المعروضة تكون قد تعرضت للشمس وللغبار وللمس المارة وما ادراني أن يدي البائع نظيفة، هي أسئلة كثيرة اجيب عليها بعدم تناول الطعام المجاني، فلا شيئ في الحياة يمنح بطريقة مجانية، فلكل سلعة ثمن، وثمن هذه القطعة المقدمة هي الشروع في عملية الشراء .

قال لي البائع، إن الثمن كان أغلى ولكن ثمن الصباح يتغير وينقص، وهي سلعة جيدة،

 اقتنيت ما شاء الله ان اقتني ولكن في البيت أخبرني ابني أن لذة الشمام ناقصة، لقد اخطات ياابي عند شراء هذه السلعة.

قلت له، لقد أخبرتني اللغة ولم اسمع، ونصحني السياق ولم أعِ، فالسلع الجيدة لا تحتاج لمدح، فأهلها يعرفونها بسيماها والبضائع يكون  متيقنا أن السلع الجيدة لاتحتاج إلى كلام فهي تبيع نفسها، أما السلع الناقصة من حيث الجودة فتحتاج لتكملة من اللغة، فحين قدم لي البائع قطعة من المنتوج فذلك دليل شك يدفعه البائع بشكل عملي عن طريق طعم مادي، واللغة تأتي كمديح وثناء لسلعة مشكوك فيها، والمؤمن من طبيعته الإيمان، يؤمن بما يسمع، فتنطلي عليه حبال المدح وشباك الثناء، فيقتنع بالمظاهر، ويصرف النفس عن الجواهر.

خلاصة أن الذي خدعني هو السياق اما اللغة فقد حذرتني، وهي دائما صادقة في بنيتها العميقة وليس في ما يطفو على السطح.فاللغة لا تؤكد الا المشكوك فيه، ولا تقسم الا على الذي تزداد الريبة منه. فإذا أكد البائع أن سلعته جيدة ففي ذلك نظر، وإذا اقسم على ذلك ففيها خطر، ينبغي الالتفات عنها إلى غيرها حتى لاتصيبك الأضرار.

_______________

لحسن قراب /في 2023 /7/7

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحلم الضائع...بقلم الكاتب أبو عمر

 الحلم الضائع.     بقلمي أبو عمر  ................   .......   كل منا يحلم ويتمني تحقيق حلمه،فلا حياة بدون حلم،ولا حياة بدون أمل،فالحياة  عب...