مقهى الغرباء
لا يزيل عناء النهار إلا تلك الجلسة في مقهى الغرباء الذين قدموا من جهات متباينة المشارب والافكار هي مقهى للرياضة لما كانت أما اليوم يسود الصمت تمنع فيها القنوات ولا يتصفح المثقف الجرائد وإلا أعتبر من المخربين صورة يعجز أمهر المخرجين عن تجميعها في صورة واحدة يقف النادل فوق رأسك وهو يرتجف قائلا بصوت منخفض لا تكاد تسمع منه الحروف التي تتسارع والخوف في فواصلها لم تأتلف هي الأخرى يسرع النادل ليقدم لك قهوة باردة كأنها مزجت بثلج القلوب التي جمدها الخوف يسترسل الحاج وهو قادم من البقاع المقدسة في رحلة شاقة شقاء العنب الذي بقي دون جني فقط لأن الفتوى سبقت موسم الجني وتوقف غناء العمال الموسمين وتعطلت أمنياتي بقهوة لاتينية نستورد كل شيء حتى الفتوة تأتي من خارج الحدود نهربها في اقراص لذا تعودنا على تهريب الاقراص المهلوسة لا نخيط قمصانا بل مصنع افغانستان شغلت و اتبعها العقل كلمات كانت بصوت منخفض في زاوية المقهى التي تم تفريغها من الموسمين الذي تعطلت اعمالهم وقوت ابنائهم الصغار
قطف العنب حرام ومزارع العنب يجب أن تستبدل بالموز قال فاللهم يسترسل الحاج ولا يعقب عنه البخاري الذي يئس من عطلة صيفية لا تأتي ابدا قال بعد مدة زمنية في صمته يقاطع الحاج ثم يسود الصمت لا حجاج اليوم يتسلل الى المقهى أحد ينظر إلينا بشكل رهيب يقترب موعد صلاة المغرب يندفع طفل نحونا يهمس في أذن البخاري وينصرف تتوسع قسماته قليلا يبدو عليه الفرح
يقول الصبحي هل من جدبد بحكم خوفه الشديد ان يطل الظلام وهو خارج الخزينة الليلية يرد البخاري
سأقضي الليلة هنا في المدينة صديقة الزوجة فرضت عليها المبيت عندها بورك لها في مولودها الجديد ليلة من الف ليلة يقول البخاري يبتسم الجميع يعرفون ماذا قال لأن الكلام يعقبه الفتوى استأذن المجلس وانصرف الى الخزينة الليلية وهي بيت لا تتجاوز مساحته المترين يقتلعا المعلم للمبيت فيها لتحضير دروسه لا تهوية ولا حديقة تجاورها فقط الإسمنت المسلح لأن الكل تسلح ضد الكل
عند وصولي يستقبلني أحدهم وجه غير مألوف قائلا السلام عليكم
رديت عن مضض لانه كان في مكان مظلم
قلت في نفس كم يحبون الظلام
تقدمت نحوه ماذا هناك
قال رأيتك تصلي معنا في هذا المسجد وأشار بإصبعه
تبسمت قال وتضحك
لا يفرق بين الإبتسامة والضحك قلت في نفسي
ثم تجمعت قواي وكل أنافة لا اعرف من اين نهلتها؟
في تلك اللحظة وقلت هل نصبوك لتسجل من يركع لله؟
ثار غضبا قائلا انا من حافظ على أنفاسك
كيف؟ إسمك كان من قائمة الذين صدرت الفتوى فيهم بالقتل تلك الجماعة وهو يقصد مقهى الغرباء كلهم كفار
وشفاعتي أنقذتك من الموت المحقق
تبسمت من جديد وتذكرت قوله تعالى واسكنته القرآن
(يسألونك عن الروح قل الروح من أمر رب وما أوتيم من العلم إلا قليلا )
وانصرفت دون استئذان هذه المرة ودخلت الخزينة
بعد صلاة العشاء قدم البقية وكنت في تساؤل هل أخبرهم ؟
فكرت مليا وقلت لتفسي لن اتكلم الان لا مواصلات ولا وسيلة إتصال أخذ كل واحد منهم مكانه الضيق لا يضاهي سعة القبر ونام الحميع إلا انا والصور تتزاحم هل نقتل الليلة ثم اقول الروح من أمر رب ...
اشرقت الشمس وكان علينا ننتظر الاستراحة لنغسل وجوهنا ونشرب تلك القهوة التي بها نحيا قليلا على العاشرة صباحا المقهى بعيدة في وسط المدينة والوصول إليها صباحا مخاطرة بالروح لأن الفتوى تلاحق الجميع
لما دق جرس العاشرة صباحا قلت الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وانصرفت الى نادي الثانوية متجها نحو فنجاني وإذ بالبخاري يدخل مسرعا الى القاعة أسرعت إليه وإذا بالدموع تسيل شلالا ماذا ماذا
قال لي الحاج الله يرحمه وانا مغادر الأن الى مستغانم
تجمعت انفاسي وقلت انا الى وهران وتفرق الجمع
ولم نلتق طيلة ثلاثون سنة ... وسالت الدموع وانا أستذكر لحظات الفتوى والعنب الذي يبس في الكروم
هل يعود الشهيد لأخبره من زلزال مقهى الغرباء ؟ ،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق