انكسار تحت الشمس..
بقلم: حميد النكادي.
أرى القممَ العالية..
تداعبُ وجنةَ الشمسِ
أحلم كسائر الطامحين
بقطف خيوط من ضياء
أرى الناس تقطف
زهور بساتين الدنيا
وأخر تجني اللؤلؤ
في اعماق الانهار والبحار
وأنا هنا..
قابع في قاعِ انكساري
يُقيدني الوهنُ،
انظر بعيني
يدي مشلولة
لاتصلح لا
للأخذ ولا للعطاء
يحبسني العناء.
يا مَن تلومُ وقوفي..
خلفَ قضبانِ الإحتياج
ليسَ في ريشي جفافٌ..
ولا جناحي مكسورة
حتى لا
أحلق في السماء
واستمتع بالطواف
بزرقة هذا الفضاء
ولا روحي تسبح
في بركة ظلماء
لكنَّ في
جَيبِ زماني ريحاً..
تسرقُ مني السِّراج
تريد لي البقاء
بين الأسوار
محاصرا بأشواك و سياج
أتيه بين المد والجزر
تتقاذفني أمواج عجفاء
يمرُّ الناسُ
من حولي..
كأسرابٍ تمضي
إلى النعيم
وأنا،
والنزفُ، والحلمُ المؤجل
ثلاثةٌ..
في عُزلةِ الصبرِ المقيم
وكأننا كتب علينا
وحدنا في الهوة
الدوام و البقاء...
فرنسا 21/12/2025
قراءة نقدية وجودية–رمزية لقصيدة
«انكسار تحت الشمس» – حميد النكادي
تنهض القصيدة على مفارقة مركزية شديدة الدلالة: الشمس بوصفها رمز الاكتمال والضوء والفرص، في مقابل الانكسار بوصفه حالة وجودية داخلية لا علاقة لها بعطبٍ جسدي أو عجزٍ فطري، بل بعطبٍ في الزمن والواقع الاجتماعي. هذه المفارقة تمنح النص توتره الشعري العميق منذ العنوان، وتؤسس لقراءة تتجاوز البوح الذاتي إلى مساءلة شرط الإنسان المعاصر.
1. أفق الحلم ومشهد اللامساواة
يفتتح النص بمشهد علوي:
أرى القممَ العالية..
تداعبُ وجنةَ الشمسِ
الصورة هنا ليست وصفًا طبيعيًا بقدر ما هي استعارة اجتماعية–وجودية: القمم هم أولئك الذين نالوا حظهم من الضوء، من الفرص، من الامتياز. ويقابلهم مباشرة:
أرى الناس تقطف
زهور بساتين الدنيا
وأخر تجني اللؤلؤ
في أعماق الأنهار والبحار
التعداد هنا مقصود، وهو يكرّس تفاوت المصائر: من يقطف بسهولة، ومن يغوص ويجني، وكلاهما فاعل ومتحقق، في حين أن صوت المتكلم سيأتي لاحقًا ليعلن موقعه خارج هذا الفعل.
2. الجسد المعطّل والاغتراب الوجودي
يبلغ النص ذروته الأولى عند إعلان الانكسار:
وأنا هنا..
قابع في قاعِ انكساري
يُقيدني الوهنُ
اللافت أن العجز ليس عضوياً:
يدي مشلولة
لا تصلح لا للأخذ ولا للعطاء
العجز هنا رمزي، يعبّر عن انسداد الأفق: لا قدرة على الأخذ (العيش الكريم)، ولا على العطاء (التحقق الإنساني). وهذه الثنائية تُحيل إلى اغتراب ماركسي من جهة، واغتراب وجودي سارترّي من جهة أخرى: الإنسان موجود، لكنه معطّل الدور والمعنى.
3. تفكيك خطاب اللوم الاجتماعي
من أعمق مقاطع القصيدة:
يا مَن تلومُ وقوفي..
خلفَ قضبانِ الاحتياج
اللوم هنا خارجي، اجتماعي، أخلاقي. والرد الشعري يأتي حاسمًا:
ليسَ في ريشي جفافٌ..
ولا جناحي مكسورة
المتكلم يعلن براءته من تهمة العجز الذاتي. المشكلة ليست فيه، بل في الشروط المحيطة به. وهذا انتقال ذكي من الذات إلى البنية.
4. الزمن كقوة قمعية
من أجمل صور النص وأكثرها كثافة:
لكنَّ في
جَيبِ زماني ريحاً..
تسرقُ مني السِّراج
الزمن هنا لصٌّ، لا مجرّد تعاقب محايد. يسرق الضوء، الأمل، المبادرة. وهذه صورة فلسفية عميقة تُحيل إلى الإحساس بأن العمر يُستنزف دون مقابل، وأن الانتظار يتحول إلى قدر.
5. العزلة والقدر الجماعي
الخاتمة مؤثرة ومشحونة بالأسى:
وأنا،
والنزفُ، والحلمُ المؤجل
ثلاثةٌ..
في عُزلةِ الصبرِ المقيم
تشخيص النزف والحلم المؤجل يحوّل المعاناة إلى رفقة دائمة. ثم تأتي الجملة القدرية:
وكأننا كُتب علينا
وحدنا في الهوة
الدوام والبقاء
هنا يبلغ النص أقصى درجات الوعي التراجيدي: ليس السقوط هو المأساة، بل الإقامة فيه.
6. اللغة والأسلوب
اللغة واضحة، لكنها غير مسطّحة، تجمع بين البساطة والرمزية.
التكرار (أرى – وأنا هنا – ليس…) يخدم الإيقاع الداخلي.
الانتقالات بين الصورة الحسية والمعنى الوجودي سلسة وغير مفتعلة.
النص ينتمي بوضوح إلى قصيدة التفعيلة/الشعر الحر الوجودي الاجتماعي.
خلاصة نقدية
«انكسار تحت الشمس» ليست قصيدة شكوى، بل قصيدة وعي. وعيٌ بالظلم البنيوي، وبخديعة اللوم الأخلاقي، وبقسوة الزمن حين يتحول إلى سلطة. وهي بهذا تضع صوت الشاعر في موقع الشاهد لا الضحية فقط، وفي موقع السؤال لا الاستسلام.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق