الأحد، 30 نوفمبر 2025

الجنانات ....بقلم الكاتب أحمد انعنيعة

 الجنانات 


كنا نلعب كثيرا لعبة الغميضة .. ونجري بين اشجار الكرموص .. نجني منه البيوضي والحميري والكحولي والطبلي والمكناسي .. أسماء كانت تتناولها قبائل ابني الحسن وقبائل الغرب .. كم كنت مفتونا بجمال نوع اخر من التين الجاف .. كنا نجني منه كميات كبيرة .. ونجفف منه كميات تكفي لفترة طويلة : الشريحة .. 

كانت هذه الأشجار تتغذى على ماء نهر سبو الذي كنا نعبره بصرخات فرح أطفال صغار وبنفس صافية كالبلور .. كنا نجلب منه الماء ، ونسقيها بأيادينا البريئة .. كم كانت رغبتي عارمة لأن أذوب في الماء  وآكل كل ثمارها .. كانت تشير إلي بأغصانها الغنية بالتين .. تدعوني لأستسلم لها وأسير نحوها على ركبتي .. كنت أحترمها كثيرا .. كانت تأسرني ، فأمثتل لجمالها .. وكلما اقتربت منها ، كنت ألعن رائحة البرتقال والياسمين أمام رائحة التين .. فتنفجر ضاحكة وهي تطلب من الله طلب استخارة لأشرب حليبها الأبيض الصافي ..

اليوم كانت الذكرى .. ذكرى اللقاء الأخير .. في مثل هذا اليوم ، كان القمر يعكس كل نجومه عليها .. كنت أبطئ سير المشهد لتحلق جوارحي حول أكوام حقول التين كلها .. اليوم ، وأنا أسير وأتمشى ، أشعر أنها قد تحولت إلى أطلال تغفو تحت الشمس .. وكل ذكرياتها جرفتها سكك الزمن .. وصارت الأحلام التي أحببتها بذرات تائهة في الريح .. 

لا شيء تغير منذ زمن طويل .. لا وجه على طرف صدر .. ولا قبلات على الشفاه الغارقة في الدموع .. لاشىء يذكر الآن سوى نفخات حارة على شوق ذابل عاى أغصان الشجر .. لم تعد أشجار التين تتذكر مواعيد لقاءات المراهقة .. ودون تفكير طويل في المسافة بين الأمس واليوم ، ها أنذا أسير في الزمان والريح تداعبني .. أتنسم روائح لا مصدرها لها .. أسمع أغنيات قديمة تستهويني .. 

إنها دعوات الحنين .. حنين الطفولة المتطفلة .. الطفولة التي لا تزال تعرف الطريق الى قلبي ..  تطرق بابي ، وتفتحه بلا مفاتيح ، المفاتيح التي كنت قد أضعتها بالأمس .. آه ، ها قد بانت ضحكات طفولتي من جديد ، جاءت لتقدم إلي مقاعد مدرستي الأولى وأنا كبير السن .. جاءتني كل أيام العطل وأيام الآحاد .. بلا مسؤوليات .. تقدم لي عزاء الأيام الغابرة وترحب بي في سن التقاعد .. إنها تلك الطفولة التي كانت تنتظرني منذ البداية لأمسح الغبار في كل طرقات جنانات الدوار ..


أحمد انعنيعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من أجلها ...بقلم الشاعر حكمت نايف خولي

 حكمت نايف خولي من أجلها من أجلها من أجل عينيها وسحر جفونها كرَّستُ أشعاري لها وأقمتُ في أغوارِ روحي معبداً ونذرتُ نفسي عابداً في قدسها   فه...