الثلاثاء، 30 يونيو 2026

أزف الرحيل ....بقلم الكاتبة د.عبيرالصلاحي

 أَزِفَ الرَّحِيلُ


إِنَّهُ لَمِنْ عَجَائِبِ الْأَقْدَارِ حَالُنَا تِلْكَ!!! فَبَعْدَمَا نُضَيِّعُ أَعْمَارَنَا سُدًى فِي صِرَاعٍ مَعَ النَّفْسِ سِمَتُهُ الْكَبَدُ وَعَاقِبَتُهُ الْخُسْرَانُ.. فَهَا نَحْنُ نَعْتَرِكُ بَيْنَ شِقَّيْ رَحَى الْأَيَّامِ، بَاذِلِينَ طَوَاعةً كُلَّ هِبَاتِ الْحَيَاةِ مِنْ سَعَادَةٍ مُبْتَسَرَةٍ، طُمَأْنِينَةٍ عَابِرَةٍ، وَرَاحَةِ بَالٍ مَوْتُورَةٍ. وَدُونَمَا سَابِقِ إِنْذَارٍ وَنَحْنُ عَلَى مَشَارِفِ النِّهَايَةِ، فَجْأَةً يَتَكَشَّفُ لَنَا السِّرُّ.. سِرُّ الْحَيَاةِ.. ذَاكَ الَّذِي لَا يَنْجَلِي إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.. لِيَتْرُكَنَا فَرِيسَةً لِنَدَمٍ لَا طَائِلَ مِنْ طَرْقِ بَابِهِ خَانِعِينَ... حِينَهَا تُشْرِقُ فِي سَمَاءِ أَرْوَاحِنَا شَمْسُ الْحَقِيقَةِ، لِيَنْجَلِيَ إِفْكُ مَا خُضْنَاهُ مِنْ عَنَاءٍ عَلَى طُولِ دَرْبٍ مَضَيْنَا قُدُمًا صَوْبَ الْبِدَايَةِ... وَإِذْ بِهِ يَظْهَرُ جَلِيًّا أَمَامَ فِكْرِنَا طَرِيقٌ طَمَسَتْهُ قِلَّةُ الْإِدْرَاكِ، وَتَغَافَلَ وُجُودَهُ قُصُورُ الْوَعْيِ... طَرِيقٌ عَبَّدَتْهُ الْمُصَالَحَةُ مَعَ النَّفْسِ.. تِلْكَ الَّتِي وَجَبَ عَلَيْنَا اعْتِمَادُهَا مُنْذُ بِدَايَةِ الرِّحْلَةِ... فَأَنْفُسُنَا رَغْمَ مَا تُبْدِيهِ لَنَا مِنِ اقْتِدَارٍ عَلَيْنَا، وَقُوَّةٍ، وَسَطْوَةٍ، وَهَيْمَنَةٍ وَامْتِلَاكٍ، إِلَّا أَنَّهَا رَغْمَ هَذَا كُلِّهِ مَا هِيَ بِالْعَدُوِّ. وَلَا بِالنِّدِّ الَّذِي وَجَبَ مُنَاهَضَتُهُ، مُغَالَبَتُهُ، مُخَالَفَتُهُ عَلَى طُولِ الدَّرْبِ.. إِنَّمَا هِيَ مِنَّا وَإِلَيْنَا... وَإِنْ كَانَ مَا تُبْدِيهِ لَنَا قَدْ نَجَحَ فِي إِيهَامِنَا بِالنَّقِيضِ وَأَوْقَعَنَا فَرِيسَةً فِي شِبَاكِ الْعَنَاءِ، أَسْرَى بَيْنَ يَدَيْ مُنَاهَضَةِ أَنْفُسٍ قُيِّضَتْ لِحِمَايَتِنَا أَزَلًا وَنَحْنُ لَا نَدْرِي..


وَلَمَّا أَنْ انْجَلَتِ الْغُمَّةُ وَانْبَلَجَ فَجْرُ الْحَقِيقَةِ هَادِيًا إِيَّانَا دَرْبَ الْمُهَادَنَةِ، مُزْمِعًا إِحْقَاقَ الْحَقِّ وَوَضْعَنَا عَلَى جَادَّةِ الصَّوَابِ لِإِيقَافِ زَوَابِعِ ذَاكَ الصِّرَاعِ الْبَائِسِ، وَلَمَّا أَنْ أَزْمَعْنَا التَّنْفِيذَ وَشَرَعْنَا فِي وُلُوجِ بَابِ الْمُصَالَحَةِ، آمِلِينَ اغْتِنَامَ الْفُرْصَةِ وَالِانْتِشَاءَ بِمَا أَهْدَتْنَا إِيَّاهُ الْحَيَاةُ مِنْ نِعَمٍ وَمَا جَادَتْ عَلَيْنَا بِهِ مِنْ هِبَاتٍ سَمَتْ بَيْنَ: رِضًا، سَكِينَةٍ، هَنَاءَةٍ وَرَاحَةِ بَالٍ. إِذْ بِقِطَارِ الْعُمْرِ يُقْبِلُ مُسْرِعًا نَحْوَ دُرُوبِ الْعَبَثِ مِنَّا، وَيَرُجُّ صَدَى نَفِيرِهِ جَنَبَاتِ الْغَفْلَةِ مِنَّا، مُعْلِنًا دُنُوَّ أَجَلِ الرَّحِيلِ... نَاهِرًا اسْتِكَانَةَ الْفِعْلِ فِينَا صَارِخًا فِي وَجْهِ شُرُودِنَا: هُبُّوا، أَنْجِزُوا لَقَدْ "أَزِفَ الرَّحِيلُ" وَعَلَيْكُمُ التَّأَهُّبُ لِلْمُغَادَرَةِ عَلَى الْفَوْرِ. وَلَمَّا أَنْ صَعَقَتْنَا أَهْوَالُ الْمُفَاجَأَةِ تَشَبَّثْنَا بِحِبَالِ الِاعْتِرَاضِ وَتَعَلَّقْنَا بِأَطْوَاقِ الْجِدَالِ فِي مُحَاوَلَةٍ أَخِيرَةٍ مِنَّا لِمُغَايَرَةِ الْمَكْتُوبِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِهَذَا كُلِّهِ وَلَا يُلْقِي بَالًا لِجِدَالِنَا، اعْتِرَاضِنَا، وَتَبَرُّمِنَا، فَيُغْلِقُ أَمَامَنَا كُلَّ الْأَبْوَابِ، ذَلِكَ حِينَ يَنْفُثُ فِي وَجْهِ أَحْلَامِنَا دُخَانَهُ الْأَسْوَدَ كَظُلْمَةِ أَرْوَاحِنَا الْبَائِسَةِ، عُقُولِنَا الْقَاصِرَةِ وَحُظُوظِنَا الْعَسِرَةِ...!!


نَعَمْ: "قَدْ أَزِفَ الرَّحِيلُ" فَعُذْرًا نَفْسِي مَا بِالْيَدِ حِيلَةٌ!!! .. لَكَمْ وَدِدْتُ لَوْ تَصَالَحْنَا وَلَوْ لِبُرْهَةٍ مِنَ الزَّمَنِ نَسْتَظِلُّ فِيهَا مَعًا فَيْءَ الْهَنَاءَةِ، وَنَتَرَفْرَفُ سَوِيًّا وَسْطَ أَنْسَامِ مَا أَهْدَاهُ لَنَا رَبُّ الْعَطَايَا مِنْ نِعَمٍ وَمَا جَادَ بِهِ عَلَيْنَا عَبْرَ مِنْحَةِ الْحَيَاةِ...


بِقَلَمِي د. عَبِير الصَّلَاحِي  

مِنْ كِتَابِي "إِرْهَاصَاتُ قَلَمٍ" (تَحْتَ الطَّبْعِ)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق