*بداية سنعرض إلى العنوان والدلالة وهو
(وجهكِ... ضياءٌ لا يغيب): فالشاعر هنا قد اختيار كلمة "ضياء" بدلاً من "نور" يوحي بقوة السطوع والحرارة، وإضافة "لا يغيب" تنفي صفة الأفول عن المحبوبة، مما يجعلها شمساً داخلية تضيء عتمة الشاعر حتى بعد الرحيل.
* اما عن البنية العاطفية (جدلية الغياب والحضور):
فيطالعنا في القصيدة الاستفهام الفاجع: يبدأ الشاعر بسؤال وجودي مؤلم (أترحلين؟)، حيث يصور الحزن ككائن يقتات على قلبه، مما يعكس عمق الفقد.
كذلك نجد الذاكرة كملجأ: إء ينتقل الشاعر من ألم الواقع إلى "اتساع الذاكرة" (البيوت ٢، ٥، ١٠). المحبوبة ليست غائبة، بل هي "مبتدأ" الروح، وصوتها "ترياق"، وكفاها "دفء" لا يزال عالقاً بمسامه.
وقد سيطر على شاعرنا عاطفة التسامي: في البيت (٢١)، نجد نضجاً عاطفياً كبيراً؛ فالحب عنده أوسع من الجراح والندوب (الحب أوسع من جرح به دملُ)، وهو ما يجعل القصيدة دعوة للغفران والوصل الروحي.
*وعلى صعيد المستوى التصويري والجمالي:
فقد حفل النص بألوان شتى من البيان الرائع منها على سبيل المثال لا الحصر:
أنسنة الأشياء: (يقتات الجوى قلبي)، (الأيام تسألني)، (يسهر الماضي)؛ هذه الاستعارات المكنية تمنح القصيدة طابعاً حركياً، وكأن الكون كله يشارك الشاعر في تجربة الانتظار والحنين.
وكذلك نلمح الرموز الضوئية: حيث استخدم الشاعر (الضياء، النجوم، ضوء القمر، ينسدل الندى) ليخلق هالة من النقاء حول صورة المحبوبة، مبعداً إياها عن الصور المادية الحسية الصرفة إلى آفاق روحية غارقة في النور.
ومنها ايضا صورة "حرق الجسور": في البيت (١٣)، يقلب الشاعر الصورة النمطية؛ فبدلاً من حرق جسور العودة، هو يحرق "جسور الفراق" بنار الشوق، ليمحو المسافات.
اما عن . اللغة والإيقاع:
من حيث البحر والقافية: فقد نظم الشاعر قصيدته على بحر الطويل بجرسه الرصين، واختار قافية "اللام المضمومة" المسبوقة بحرف مد (يندملُ، السبلُ، العللُ..)، وهو إيقاع يوحي بالاستمرارية والامتداد، وكأن الشاعر يمد في أنفاسه ليوصل صوته للمبتعد.
وبالنسبة للمعجم الشعري: تراوح بين مفردات الألم (الجوى، يندمل، الكرب) ومفردات الأمل (ترياق، الضياء، نبيذ هوى)، مما خلق توازناً نفسياً في النص.
وننتهي الى الرسالة الختامية للنص
إذ ينتهي النص بـ "الخلاص الروحي"؛ فإذا تعذّر اللقاء الجسدي، فإن "الدعاء" هو الجسر الذي لا ينقطع (يبقى الوصال دعاءً في المدى يصلُ). هذا الختام ينقل القصيدة من الحزن الذاتي إلى الإيمان بالقدر والارتباط الروحي العابر للزمن.
خلاصة القول فإن:
أحمد مصطفى الأطرش في قصيدته (وجهك ضياء لا بغيب ) قد جسد "إخلاص المحب" الذي يرى في المحبوبة وطناً لا يغادره حتى لو غادرته هي. وافر التحايا للقلم المبدع وصاحبه وفي انتظار المزيد من الابداعات العذبة مودتي وتقديري
الكاتبة والاديبة د عبيرالصلاحي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق